LCSMS
تابعنا

بحث متقدم
الرئيسية
الإنفوجرافيك
إصدارات المركز
LCSMS
تابعنا

بحث متقدم
  • الرئيسية
  • الإنفوجرافيك
  • إصدارات المركز
  • Toggle Theme

المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية

Mecidiyeköy, Istanbul, TurkeyP.O.Box 34387 +905548201002

https://libc.ly/

النشرة الدورية


جميع الحقوق محفوظة © 2024
خلط الأوراق.. كيف يعيد تصديق البرلمان الليبي على الاتفاقية البحرية مع تركيا ترتيب موازين القوة في ليبيا وشرق المتوسط؟
تقدير الموقف
27.10.2026
150

خلط الأوراق.. كيف يعيد تصديق البرلمان الليبي على الاتفاقية البحرية مع تركيا ترتيب موازين القوة في ليبيا وشرق المتوسط؟

مقدمة

تتصاعد أهمية شرق المتوسط في الحسابات الإقليمية والدولية مع احتدام الخلافات حول ترسيم الحدود البحرية واستغلال موارد النفط والغاز، وتزايد الاهتمام بـ مشروعات الربط الكهربائي ونقل الطاقة إلى الأسواق الأوروبية. وقد أضافت اضطرابات أسواق الطاقة العالمية خلال العام الجاري بسبب الحرب الأمريكية - الإيرانية أبعاداً اقتصادية وأمنية لهذه التنافسات، خاصة مع سعي الدول إلى تنويع مصادر الإمدادات وحماية استثماراتها البحرية. وتحتل ليبيا موقعاً مؤثراً في هذه المعادلة بحكم امتداد ساحلها المتوسطي، وتشابك مطالباتها البحرية مع مصالح دول الجوار، وتحول أراضيها خلال السنوات الماضية إلى ساحة للتنافس بين قوى إقليمية ودولية.

وفي هذا السياق، أثار تصويت مجلس النواب الليبي، في 20 أكتوبر 2026، على اعتماد مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع تركيا عام 2019 تحولاً لافتاً في موازين العلاقات الإقليمية، بعدما انتقلت المؤسسة التشريعية في شرق البلاد من رفض الاتفاقية إلى تأييدها. وجاء القرار بعد أسبوعين من إزاحة عقيلة صالح وانتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً جديداً للبرلمان، بـ التزامن مع تنامي العلاقات بين أنقرة والقيادة العامة بـ قيادة خليفة حفتر، وتصاعد الدور السياسي لنجله صدام في التفاهمات المتعلقة بمستقبل السلطة.

وتطرح هذه التطورات تساؤلات بشأن دوافع التوقيت، والمقابل السياسي المحتمل الذي يسعى إليه معسكر الشرق، وحدود المكاسب التركية، وانعكاسات القرار على العلاقات المصرية الليبية والتركية، ومستقبل التحالفات ومشروعات الطاقة في شرق المتوسط.

أولاً: سياق القرار وتوقيت التحول البرلماني

في 20 أكتوبر، صوّت مجلس النواب الليبي بالإجماع، خلال جلسة عقدها في بنغازي، على اعتماد مذكرة التفاهم المتعلقة بتحديد مجالات الصلاحية البحرية بين ليبيا وتركيا، الموقعة في 27 نوفمبر 2019. كما ألغى المجلس قراريه رقم 1 ورقم 6 لسنة 2020، المتعلقين برفض المصادقة على مذكرتَي التفاهم البحرية والأمنية وقطع العلاقات السياسية مع أنقرة. وجاء التصويت عقب إحاطة قدمتها اللجنة الوطنية العليا للحدود البرية والبحرية بشأن نتائج دراستها للاتفاقية.

وتعود جذور الخلاف إلى مرحلة حرب طرابلس، عندما وقعت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج الاتفاقية البحرية بالتزامن مع مذكرة للتعاون الأمني والعسكري مع تركيا. وقد اعترض معسكر الشرق على الاتفاقيتين في ظل الدعم العسكري التركي لـ حكومة الوفاق ضد قوات خليفة حفتر. وتمسك عقيلة صالح خلال السنوات التالية برفض الاتفاقية البحرية، وعزز هذا الموقف باتصالات مع المسؤولين اليونانيين، كان أحدثها خلال زيارته أثينا في ديسمبر 2025.

غير أن التحول بدأ يتبلور مع اتساع الاتصالات التركية بـ قيادات الشرق، وصولاً إلى زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لـ بنغازي في أغسطس 2026 ولقائه خليفة حفتر. واكتسب التقارب زخماً إضافياً مع تنامي دور صدام حفتر في إدارة الملفات السياسية والعلاقات الخارجية، بالتوازي مع تصاعد الخلافات حول استمرار عقيلة صالح في رئاسة البرلمان.

وعليه، يكتسب قرار 20 أكتوبر أهميته من صدوره خلال أولى الجلسات البرلمانية بعد انتخاب الصالحين عبد النبي في السادس من الشهر نفسه، وهو الذي سبق أن ترأس لجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية. ويشير هذا التسلسل إلى أن تغيير الرئاسة أزال أحد أبرز العوائق السياسية أمام اعتماد الاتفاقية.

ثانياً: دوافع القرار وحسابات المقايضة السياسية

تتداخل وراء الموافقة على الاتفاقية دوافع معلنة تتعلق بـ حماية الحقوق البحرية والمصالح الاقتصادية الليبية، مع حسابات سياسية أوسع تخص توزيع السلطة وتحالفات المرحلة المقبلة، ويمكن تحديد أبرزها فيما يلي:

• تعزيز الحقوق البحرية والمكاسب الاقتصادية الليبية: يستند التأييد الرسمي للاتفاقية إلى تثبيت المطالبات الليبية في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وتعزيز القدرة على استكشاف موارد النفط والغاز واستغلالها. وفي هذا السياق، أعلن خالد حفتر، رئيس الأركان العامة، في 21 أكتوبر، أن حصة ليبيا وفق الترسيم تبلغ نحو 50 ألف كيلومتر مربع، معتبراً أن الاتفاقية توفر حماية لمواردها البحرية.

ويظل هذا الرقم تقديراً صادراً عن أحد مؤيدي الاتفاقية، يحتاج إلى تقييم فني مستقل يحدد مساحة الحقوق البحرية محل الاتفاق ومدى تداخلها مع مطالبات الدول الأخرى. أما اقتصادياً، فقد يتيح تثبيت المطالبات البحرية توسيع فرص إصدار تراخيص الاستكشاف وجذب الشركات الدولية، خاصة مع عودة النشاط الاستثماري إلى القطاع البحري الليبي. غير أن هذه المكاسب تظل مرتبطة بوجود احتياطيات قابلة للاستخراج، وقدرة ليبيا على استغلالها دون الدخول في نزاعات تعطل الاستثمارات.

• تعزيز موقع صدام حفتر في ترتيبات المرحلة الانتقالية: يرتبط توقيت اعتماد الاتفاقية البحرية بالتفاهمات الجارية لإعادة توزيع السلطة بين شرق ليبيا وغربها، وفي مقدمتها اتفاق " 4+ 4 " الموقع في 30 أغسطس 2026 برعاية البعثة الأممية، والذي جمع ممثلين عن مجلسي النواب والدولة وحكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة. ورغم موافقة مجلس النواب عليه، رفضه المجلس الأعلى للدولة، بما أبقى الخلاف قائماً حول آليات تنفيذه.

ويتقاطع هذا المسار مع المبادرة الأمريكية التي يقودها مسعد بولس، والتي تضمنت، وفق تقارير إعلامية، مقترحاً لـ مرحلة انتقالية مدتها 36 شهراً، يحتفظ خلالها عبد الحميد الدبيبة برئاسة الحكومة، ويتولى صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مع منح معسكر الشرق نفوذاً واسعاً في إدارة الميزانية. وفي ضوء هذه الترتيبات، يمكن قراءة اعتماد الاتفاقية البحرية باعتباره محاولة لتعزيز موقع صدام في المساومات السياسية، وتأمين دعم أنقرة التي تحتفظ بـ علاقات وثيقة بـ حكومة طرابلس.

ويعزز هذا التفسير اتصال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بكل من صدام والدبيبة عقب التصويت، وتوجيه الشكر إليهما بـ صورة منفصلة. ومع ذلك، يظل الربط بين تمرير الاتفاقية والحصول على دعم تركي لتولي صدام رئاسة المجلس الرئاسي احتمالاً سياسياً لم تثبته تفاهمات معلنة، خاصة مع استمرار الخلافات حول توزيع المناصب والصلاحيات، وتباين المدد الزمنية بين المسارين الأممي والأمريكي.

• تعزيز النفوذ التركي وتوفير غطاء تشريعي للاتفاقية: يمثل إنهاء المعارضة البرلمانية أحد أبرز المكاسب التي حققتها أنقرة؛ إذ منح تصويت مجلس النواب الاتفاقية قبولاً تشريعياً أوسع داخل ليبيا غربًا وشرقًا، بما يعزز موقف تركيا أمام الشركاء الدوليين والمستثمرين، دون أن يلزم الدول المعترضة بالاعتراف بالترسيم البحري. ويتزامن ذلك مع توسع المصالح الاقتصادية التركية في شرق ليبيا؛ فـ في أبريل 2025، وقّع بلقاسم حفتر عقوداً مع شركتين تركيتين لتنفيذ مشروعات للبنية التحتية والطرق والمستشفيات في بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق. كما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 4.4 مليارات دولار خلال عام 2025. وامتد التعاون إلى قطاع الطاقة، بعدما فازت شركة البترول التركية، في فبراير 2026، بحصة تبلغ 40% في مشروع استكشاف القطاع البحري " أو 7 " شمال غرب بنغازي، ضمن تحالف مع شركتي " ريبسول " الإسبانية و" مول " المجرية. وتكشف هذه المصالح عن سعي أنقرة إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في الشرق، إلى جانب نفوذها القائم في الغرب، مع تأمين شراكات أوسع في مجالات الطاقة وإعادة الإعمار.

• الحسابات السياسية التركية الداخلية: يتيح اعتماد الاتفاقية لـ حكومة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تقديم إنجاز دبلوماسي يعزز خطابها بشأن حماية المصالح البحرية وتوسيع النفوذ التركي في شرق المتوسط، وتزداد أهمية ذلك مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المقرر عام 2028، وتداول مقترحات لإجرائه مبكراً. وقد وصف وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، الموافقة البرلمانية بأنها نجاح للسياسة الخارجية التركية، فيما رحب أردوغان بـ القرار أمام الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية في 21 أكتوبر. وعلى هذا الأساس، يوفر التحول الليبي مكسباً يمكن توظيفه داخلياً، خاصة في ظل التنافس بين الحكومة والمعارضة على قضايا الأمن القومي والحقوق البحرية.

ثالثاً: الجدل القانوني حول الاتفاقية وردود الفعل الداخلية والخارجية

تحدد مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا في 27 نوفمبر 2019 خطاً لترسيم جزء من حدود الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين، يبدأ عند النقطة " أ " وينتهي عند النقطة " ب "، وفق إحداثيات جغرافية محددة بنظام "WGS84"، ويرتبط بـ ملحقين يضمان الخريطة البحرية ونقاط الأساس المستخدمة في الترسيم. وتستند أنقرة إلى اعتبار الساحلين التركي والليبي متقابلين، وإلى مبدأ الإنصاف الذي يراعي امتداد السواحل والظروف الجغرافية، مع رفض منح الجزر اليونانية تأثيراً كاملاً يؤدي إلى قطع الامتداد البحري للسواحل التركية. وتعتبر تركيا أن الاتفاقية تحمي حقوقها وحقوق ليبيا في استكشاف الموارد البحرية واستغلالها، وتواجه محاولات استبعادها من ترتيبات شرق المتوسط.

خريطة رقم (1)

في المقابل، ترفض اليونان الأساس الجغرافي للاتفاقية، وتؤكد أن الساحلين التركي والليبي لا يتقابلان على نحو يسمح بالترسيم المعتمد، بالنظر إلى وجود الجزر اليونانية، وفي مقدمتها كريت. وتستند أثينا إلى المادة 121 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تقرر تمتع الجزر المؤهلة بمنطقة اقتصادية خالصة وجرف قاري، إلى جانب المادتين 74 و83 المتعلقتين بالترسيم وفق القانون الدولي لتحقيق حل منصف. غير أن استحقاق الجزر للمناطق البحرية يختلف عن تحديد تأثيرها في خط الترسيم النهائي؛ إذ تراعي المحاكم الدولية الظروف الجغرافية ومواقع الجزر وأطوال السواحل عند الفصل في المطالبات المتداخلة. وعليه، يظل الخلاف القانوني قائماً بشأن الوزن الواجب منحه للجزر اليونانية، ومدى مشروعية الخط الذي حددته أنقرة وطرابلس.

خريطة رقم (2)

وتبرز إشكالية أخرى تتعلق بنفاذ الاتفاقية وحدود آثارها القانونية؛ إذ دخلت حيز النفاذ بين تركيا وليبيا في 8 ديسمبر 2019، وسُجلت لدى الأمم المتحدة في 11 ديسمبر من العام نفسه. وعليه، عزز تصويت البرلمان الليبي في 20 أكتوبر 2026 موقف أنقرة بإزالة الاعتراض التشريعي السابق، ومنح الاتفاقية قبولاً مؤسسياً أوسع داخل ليبيا، دون أن يحسم مشروعيتها في مواجهة الدول المعترضة. وتستند هذه الدول إلى المادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، التي تقرر عدم إنشاء المعاهدات حقوقاً أو التزامات للدول الثالثة دون موافقتها. وبناءً على ذلك، لا يمكن لتركيا وليبيا إلزام مصر أو اليونان أو قبرص بالحدود المتفق عليها، فيما يظل تنفيذ أنشطة التنقيب ومد الكابلات وخطوط الأنابيب خاضعاً للقواعد القانونية المنظمة لكل نشاط، ومدى تعارضه مع الحقوق البحرية للدول المعنية.

وقد أدى التصويت مواقف داخلية وإقليمية ودولية متباينة، يمكن رصد أبرزها فيما يلي:

• داخلياً: رحب صدام حفتر والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد بالقرار، كما أيدته حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الأعلى للدولة وعضو المجلس الرئاسي موسى الكوني وخالد المشري. ويعكس هذا التقارب توافقاً بين مؤسسات سياسية رئيسية في الشرق والغرب بشأن اتفاقية ظلت موضع انقسام لسنوات. وفي المقابل، أثار زياد دغيم، مستشار رئيس المجلس الرئاسي، تساؤلات بشأن العائد الاقتصادي المتوقع وكلفة الاتفاقية على علاقات ليبيا بالدول الأوروبية ودول الجوار، وربط تداعيات القرار أيضاً بالخلاف حول شرعية انتخاب رئاسة البرلمان الجديدة. ولا تتوافر استطلاعات رأي منشورة يمكن الاستناد إليها لتحديد حجم التأييد الشعبي، بما يستوجب التمييز بين توافق المؤسسات السياسية والموقف المجتمعي الأوسع.

• تركياً: رحبت وزارة الخارجية بالتصويت، مؤكدة أن الاتفاقية نافذة منذ عام 2019، وأنها تستند إلى القانون الدولي ومبدأ الإنصاف وتحمي الحقوق والمصالح المشتركة للبلدين. كما اعتبر وزير الخارجية هاكان فيدان القرار نجاحاً للدبلوماسية التركية، بما يعكس أهمية إنهاء المعارضة البرلمانية السابقة وتعزيز الموقف التفاوضي لأنقرة في شرق المتوسط.

• مصرياً: أعلنت القاهرة رفضها القاطع لتصديق مجلس النواب الليبي، مؤكدة أن المذكرة باطلة ومعدومة الأثر القانوني بالنسبة إليها، وأنها تتعارض مع حقوقها السيادية في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري. كما جددت رفضها لأي إجراءات تستند إلى الاتفاقية وتتعارض مع حدودها البحرية المعلنة، واحتفظت بحق حماية مصالحها وفق القانون الدولي. ويرتبط الموقف المصري كذلك باتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة مع اليونان لعام 2020، وبالحدود البحرية الغربية التي أعلنتها القاهرة بموجب القرار الجمهوري رقم 595 لسنة 2022.

• يونانياً وقبرصياً: رفضت أثينا القرار، معتبرة أنه لا يغير الوضع القانوني للاتفاقية أو اعتراضاتها المتعلقة بحقوق الجزر اليونانية. وأكدت استعدادها لاتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية حقوقها البحرية، قبل أن تطرح القضية خلال مشاورات مجلس الأمن في 21 أكتوبر. كما أعلنت قبرص رفضها التصويت، مؤكدة أن الاتفاقية تتعارض مع قانون البحار والحقوق البحرية للدول الثالثة، ولا ترتب آثاراً قانونية في مواجهتها.

• أوروبياً: أكد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين رفض الاتفاقية والتضامن مع اليونان وقبرص، معتبرين أنها تمس الحقوق السيادية لدولة ثالثة وتتعارض مع قانون البحار. وجدد الاتحاد الأوروبي هذا الموقف في بيان صادر باسم الممثلة العليا للسياسة الخارجية، مشدداً على عدم ترتب آثار قانونية على الدولة الثالثة. ويعكس ذلك انتقال الخلاف إلى إطار العلاقات الأوروبية مع تركيا وليبيا، مع بقاء الفصل القانوني في المطالبات البحرية من اختصاص الآليات القضائية والتحكيمية المعنية.

• إسرائيلياً: أدانت وزارة الخارجية الإسرائيلية القرار، معتبرة أن الاتفاقية تمس الحقوق السيادية لحلفائها المقربين، واتهمت تركيا بـ السعي إلى زعزعة استقرار شرق المتوسط. ويرتبط الاعتراض الإسرائيلي بالتعاون السياسي والأمني مع اليونان وقبرص، ومشروعات الربط الكهربائي والطاقة التي تشارك فيها الدول الثلاث، فضلاً عن التنافس المتصاعد مع أنقرة على النفوذ الإقليمي.

غير أن إسرائيل ليست طرفاً مباشراً في الترسيم التركي الليبي، ولذلك تنصرف مخاوفها الأساسية إلى انعكاساته على تحالفاتها ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

رابعاً: الانعكاسات المحتملة

تتجاوز تداعيات اعتماد الاتفاقية البحرية العلاقات التركية الليبية إلى إعادة ترتيب مراكز النفوذ والتحالفات الإقليمية، في ظل استمرار الخلافات بشأن الحقوق البحرية ومشروعات الطاقة ومستقبل السلطة في ليبيا. ويمكن رصد أبرز هذه الانعكاسات على النحو التالي:

• على المستوى الداخلي الليبي: يعزز القرار نفوذ القيادة العامة في توجيه القرارات البرلمانية، ويمنح صدام حفتر موقعاً تفاوضياً أقوى في ترتيبات المرحلة المقبلة، مستفيداً من تقاربه مع أنقرة وعلاقاتها القائمة بحكومة طرابلس. وقد يساعد هذا التقارب على دفع المساومات المرتبطة بمبادرة بولس، خاصة ما يتعلق بتوزيع المناصب السيادية والموارد المالية. غير أن استمرار الخلاف حول اتفاق " 4 + 4 " وترتيبات السلطة الانتقالية يكشف حدود التوافق بين المؤسسات الليبية، ويجعل المكاسب السياسية لصدام مرتبطة بقدرته على تحويل الدعم الخارجي إلى تفاهمات داخلية قابلة للتنفيذ.

• على مستوى العلاقات المصرية الليبية والتركية: يضع القرار القاهرة أمام تحدٍ يتعلق بتراجع قدرتها على التأثير في الخيارات الإقليمية لـ معسكر حفتر، رغم العلاقات السياسية والأمنية الوثيقة بين الطرفين. وقد يدفعها ذلك إلى إعادة تقييم تحالفاتها داخل ليبيا، وتوسيع اتصالاتها بالقوى المؤثرة في الشرق والغرب، مع تعزيز التنسيق البحري والقانوني مع اليونان وقبرص. وفي المقابل، يفرض التحسن الأخير في العلاقات المصرية التركية اعتبارات تحد من فرص التصعيد المباشر، بما يرجح استمرار الحوار مع أنقرة بـ التوازي مع التمسك بالحقوق البحرية المصرية. ويتمثل التحدي الأبرز في حماية المصالح المصرية دون خسارة النفوذ في شرق ليبيا أو الإضرار بالتفاهمات القائمة مع تركيا.

• على مستوى التوازنات الإقليمية ومشروعات الطاقة: تواجه اليونان التحدي الاقتصادي والقانوني الأكثر مباشرة، خاصة بعد توقيع اتفاقات استكشاف مع تحالف تقوده " شيفرون " الأمريكية في فبراير 2026، شملت مناطق بحرية جنوب كريت والبيلوبونيز. كما قد يزيد استمرار النزاع من تعقيدات مشروع الربط الكهربائي " غريت سي إنتركونيكتور "، البالغة تكلفته نحو 1.9 مليار يورو، والذي يستهدف ربط اليونان بقبرص وإسرائيل. ورغم أن الاتفاقية لا تمنح تركيا حق منع مد الكابلات البحرية بصورة تلقائية، فإن الخلاف حول أعمال المسح قد يؤخر التنفيذ ويرفع تكاليف الاستثمار. وتتضرر المصالح الإسرائيلية بصورة غير مباشرة نتيجة اتساع النفوذ التركي في المنطقة، وما قد يفرضه من ضغوط على ترتيبات الطاقة والتعاون الأمني مع اليونان وقبرص. وقد يدفع ذلك إسرائيل إلى تعزيز التنسيق مع حلفائها وواشنطن، خاصة في ظل تعارض التقارب التركي مع معسكر حفتر مع حساباتها الإقليمية السابقة.

خامساً: سيناريوهات المرحلة المقبلة

تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة لـ المرحلة المقبلة، تم رصدها من قبل " المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية " حيث تتحدد فرص تحققها وفق طبيعة التحركات التركية الليبية، ومدى استعداد الدول المعترضة لـ تصعيد إجراءاتها السياسية والقانونية، وحدود الدور الأمريكي في إدارة الخلاف، في ظل احتمالات تجدد الحرب مع إيران وما قد يترتب عليها من اضطرابات إضافية في أسواق الطاقة العالمية، وذلك على النحو التالي:

السيناريو الأول: احتواء الخلاف واستمرار التنافس الدبلوماسي والقانوني

يقوم هذا السيناريو على تمسك تركيا وليبيا بالاتفاقية، مع تجنب تنفيذ أنشطة بحرية قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة مع الدول المعترضة. وفي المقابل، تتجه مصر واليونان وقبرص إلى تعزيز التنسيق القانوني والدبلوماسي لحماية حقوقها البحرية، خاصة بعد اتفاق القاهرة وأثينا، في 22 أكتوبر، على مواصلة المشاورات لتوسيع النطاق الجغرافي لاتفاقية ترسيم الحدود الموقعة عام 2020. كما يدعم هذا الاتجاه موقف واشنطن الداعي إلى تسوية النزاعات البحرية بالتفاوض، في ظل مصالحها الاقتصادية والأمنية مع الأطراف المعنية. وتتمثل مؤشراته في استمرار المشاورات المصرية اليونانية، وتكثيف الاتصالات الأمريكية والأوروبية، وتأجيل الأنشطة البحرية داخل المناطق المتنازع عليها. ويتيح هذا المسار للأطراف الحفاظ على مواقفها ومصالحها دون تحمل تكلفة تصعيد إقليمي جديد.

السيناريو الثاني: تفاهمات سياسية وإقليمية أوسع برعاية أمريكية

يفترض هذا السيناريو انتقال التحركات الدبلوماسية إلى تفاهمات تتناول إدارة الخلافات البحرية ومستقبل الحكومة القادمة داخل ليبيا، بالاستفادة من العلاقات الأمريكية مع تركيا واليونان ومصر ومعسكر حفتر وحكومة الوحدة الوطنية. وقد تتقاطع هذه الجهود مع مبادرة مسعد بولس بشأن تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، بما يسمح بإعادة ترتيب المصالح السياسية والاقتصادية بين شرق ليبيا وغربها، وتخفيف الاعتراضات على التعاون التركي الليبي. كما قد تدفع أزمة الطاقة العالمية الأطراف إلى التفاوض بشأن ترتيبات فنية تضمن استمرار مشروعات الربط والاستكشاف دون حسم جميع النزاعات الحدودية. وتتمثل مؤشراته في إعلان مشاورات متعددة الأطراف، والتوصل إلى تفاهمات بشأن الأنشطة البحرية، وإحراز تقدم في مفاوضات السلطة الانتقالية. غير أن هذا المسار يواجه عقبات تتعلق بتعارض المطالبات البحرية والخلافات الليبية حول توزيع المناصب والصلاحيات.

السيناريو الثالث: تصاعد المواجهة الإقليمية وتعثر التفاهمات السياسية

يرتبط هذا السيناريو بـ محاولة تركيا أو ليبيا تنفيذ أنشطة استكشاف في مناطق تتداخل مع المطالبات اليونانية أو المصرية، أو تقدم القاهرة وأثينا نحو ترسيم بحري جديد تعترض عليه أنقرة. وقد يؤدي ذلك إلى تصعيد الاحتجاجات القانونية والضغوط الأوروبية، وتعطيل بعض مشروعات الطاقة، واحتمال وقوع احتكاكات بحرية إذا تحركت أطراف متنافسة في المناطق نفسها. كما قد تنعكس المواجهة على العلاقات المصرية التركية، وتزيد التوتر بين القاهرة ومعسكر حفتر، خاصة إذا استمرت القيادة العامة في توسيع شراكتها العسكرية والاقتصادية مع أنقرة. وتتمثل مؤشراته في إصدار تراخيص جديدة بالمناطق المتنازع عليها، أو اعتراض أعمال المسح ميدانياً، أو اتخاذ إجراءات اقتصادية وسياسية أوروبية ضد الأطراف المعنية. وتزداد مخاطر هذا المسار في ظل التوترات العسكرية الإقليمية، لكنه يواجه قيوداً ناتجة عن كلفة المواجهة على الاستثمارات وأمن الطاقة.

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن السيناريو الأول، القائم على احتواء الخلاف واستمرار التنافس الدبلوماسي والقانوني، هو الأرجح خلال المدى القصير؛ إذ بدأت مصر واليونان تنسيق تحركاتهما لتعزيز موقفيهما بشأن الحدود البحرية، فيما تسعى تركيا إلى تثبيت مكاسبها السياسية وتوسيع مصالحها في ليبيا. كما تدفع الدعوة الأمريكية إلى التفاوض، خاصة في ظل ارتفاع احتمالات تجدد الحرب مع إيران وتداعياتها على أمن الطاقة العالمي، الأطرافَ إلى تجنب تصعيد إقليمي جديد قد يهدد الاستثمارات ومشروعات الطاقة. وعلى هذا الأساس، يُتوقع استمرار التحركات القانونية والضغوط الدبلوماسية، مع إمكانية تطورها إلى تفاهمات أوسع وفق السيناريو الثاني، بينما يظل خطر التصعيد قائماً إذا انتقلت الأطراف إلى تنفيذ أنشطة استكشاف أو فرض ترتيبات بحرية جديدة في المناطق المتنازع عليها.

الخاتمة

يكشف تصديق البرلمان الليبي على الاتفاقية البحرية مع تركيا عن تحول واضح في خريطة التحالفات التقليدية داخل ليبيا وشرق المتوسط؛ إذ نجحت أنقرة في توسيع نفوذها إلى شرق البلاد، مع احتفاظها بـ علاقاتها الوثيقة بـ القوى الحاكمة في الغرب، بما يمنحها موقعاً أكثر تأثيراً في ترتيبات السلطة المقبلة.

وفي المقابل، أظهر القرار تراجع قدرة القاهرة على توجيه بعض الخيارات الاستراتيجية لـ معسكر الشرق، رغم علاقاتها السياسية والأمنية التاريخية والوثيقة بـ قيادة خليفة حفتر، خاصة بعد إزاحة عقيلة صالح الذي ارتبط بعلاقات استراتيجية وقوية مع مصر، وصعود قيادة برلمانية أكثر انفتاحاً على أنقرة.

ويعكس هذا التحول إعادة ترتيب المصالح داخل المعسكر الشرقي، وتراجع فاعلية التحالفات السابقة في ضبط توجهاته الإقليمية، بـ التزامن مع احتدام الخلافات البحرية مع اليونان وقبرص واتساع الاعتراضات الأوروبية والإسرائيلية. ومع ذلك، ستتحدد النتائج الاستراتيجية للقرار بمدى قدرة تركيا وليبيا على تحويل الاتفاقية إلى مكاسب اقتصادية فعلية، وحدود تأثير التحركات القانونية والدبلوماسية لـ الدول المعترضة.

أما ليبيا، فـ تواجه تحدياً يتعلق بالحفاظ على استقلالية قرارها السيادي، وضمان ألا تتحول حقوقها البحرية إلى أداة لـ المساومة على توزيع السلطة والنفوذ خلال المرحلة الانتقالية.

الرابط المختصر

استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.

https://lcsms.info/?p=1714926
|تقارير وتقديرات|تقدير الموقف
  • تقدير الموقف
  • أوراق تحليلية
  • أبعاد الموقف
  • الإيجاز
  • قراءة تفصيلية
  • حصاد الشهر
  • أوراق بحثية
  • ترجمات

مقالات ذات صلة

تطورات المشهد الليبي.. أغسطس 2026  المهددات والاثر الاستراتيجي
تطورات المشهد الليبي.. أغسطس 2026 المهددات والاثر الاستراتيجي
المشهد الليبي: مصفوفة المهددات ودرجة تأثيرها على الأمن القومي الفترة من 25 أغسطس إلى 5 سبتمبر 2026
المشهد الليبي: مصفوفة المهددات ودرجة تأثيرها على الأمن القومي الفترة من 25 أغسطس إلى 5 سبتمبر 2026
كسر قواعد الجمود.. ماذا يغير اتفاق «4+4» في مسار الأزمة الليبية؟
كسر قواعد الجمود.. ماذا يغير اتفاق «4+4» في مسار الأزمة الليبية؟
 اتفاق مكة الدفاعي.. قراءة في الدوافع والتحديات وآفاق التفعيل
اتفاق مكة الدفاعي.. قراءة في الدوافع والتحديات وآفاق التفعيل
تداعيات استقالة ناجي عيسى.. الأبعاد والمسارات
تداعيات استقالة ناجي عيسى.. الأبعاد والمسارات
اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا.. اختراق أمني أم عودة لاستهداف قيادات الشرق؟
اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا.. اختراق أمني أم عودة لاستهداف قيادات الشرق؟
المبادرة الأمريكية لإعادة توحيد السلطة في ليبيا.. الدوافع، التحديات، والسيناريوهات المحتملة
المبادرة الأمريكية لإعادة توحيد السلطة في ليبيا.. الدوافع، التحديات، والسيناريوهات المحتملة
الممر الروسي من ليبيا إلى مالي حدود القوة العسكرية وعودة الجزائر إلى معادلة الساحل
الممر الروسي من ليبيا إلى مالي حدود القوة العسكرية وعودة الجزائر إلى معادلة الساحل

مقالات ذات صلة

تطورات المشهد الليبي.. أغسطس 2026  المهددات والاثر الاستراتيجي
تطورات المشهد الليبي.. أغسطس 2026 المهددات والاثر الاستراتيجي
المشهد الليبي: مصفوفة المهددات ودرجة تأثيرها على الأمن القومي الفترة من 25 أغسطس إلى 5 سبتمبر 2026
المشهد الليبي: مصفوفة المهددات ودرجة تأثيرها على الأمن القومي الفترة من 25 أغسطس إلى 5 سبتمبر 2026
كسر قواعد الجمود.. ماذا يغير اتفاق «4+4» في مسار الأزمة الليبية؟
كسر قواعد الجمود.. ماذا يغير اتفاق «4+4» في مسار الأزمة الليبية؟
 اتفاق مكة الدفاعي.. قراءة في الدوافع والتحديات وآفاق التفعيل
اتفاق مكة الدفاعي.. قراءة في الدوافع والتحديات وآفاق التفعيل
تداعيات استقالة ناجي عيسى.. الأبعاد والمسارات
تداعيات استقالة ناجي عيسى.. الأبعاد والمسارات
اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا.. اختراق أمني أم عودة لاستهداف قيادات الشرق؟
اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا.. اختراق أمني أم عودة لاستهداف قيادات الشرق؟
المبادرة الأمريكية لإعادة توحيد السلطة في ليبيا.. الدوافع، التحديات، والسيناريوهات المحتملة
المبادرة الأمريكية لإعادة توحيد السلطة في ليبيا.. الدوافع، التحديات، والسيناريوهات المحتملة
الممر الروسي من ليبيا إلى مالي حدود القوة العسكرية وعودة الجزائر إلى معادلة الساحل
الممر الروسي من ليبيا إلى مالي حدود القوة العسكرية وعودة الجزائر إلى معادلة الساحل