مقدمة
يأتي لقاء رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في أنقرة في لحظة شديدة الحساسية من عمر الأزمة الليبية، حيث لا تزال البلاد تعيش حالة من الانقسام المؤسسي والسياسي، بينما تتنافس عدة مبادرات ومسارات على إعادة تشكيل المرحلة الانتقالية والوصول إلى تسوية تفتح الطريق أمام الانتخابات.
لهذا السبب فإن أهمية اللقاء لا تكمن فقط في الشخصيتين اللتين اجتمعتا، ولا في المكان الذي احتضن اللقاء وإنما في الدلالة السياسية لاختيار أنقرة تحديداً، وفي طبيعة الدور الذي يبدو أن تركيا تسعى إلى ترسيخه داخل المشهد الليبي، فتركيا التي بنت خلال السنوات الماضية نفوذاً واسعاً في غرب ليبيا، يبدو أنها أصبحت أكثر إدراكاً بأن الحفاظ على مصالحها لم يعد ممكناً من خلال الاعتماد على طرف أو منطقة واحدة، وأن المرحلة المقبلة قد تتطلب شبكة علاقات أوسع تمتد إلى مختلف مراكز التأثير في البلاد.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس هل عقد اجتماع في أنقرة أم لا، وإنما هل يمثل هذا الاجتماع بداية تحول في طريقة إدارة تركيا لـنفوذها الليبي، وانتقالها من سياسة الارتكاز على الغرب إلى سياسة أكثر انفتاحاً على مختلف الأطراف ومراكز القوة؟
السياق السياسي للقاء
تتحرك ليبيا اليوم داخل بيئة سياسية مفتوحة على احتمالات متعددة، فلا يوجد توافق نهائي حول شكل السلطة التنفيذية المقبلة، ولا حول القواعد التي ستنظم الانتخابات، كما أن المؤسسات القائمة ما زالت تعاني من الانقسام وتداخل الصلاحيات.وفي مثل هذه البيئة تصبح اللقاءات التي تجمع شخصيات من معسكرات ومؤسسات مختلفة ذات قيمة سياسية تتجاوز مضمونها المباشر، فجمع عقيلة صالح ومحمد تكالة في العاصمة التركية يحمل رسالة إلى الداخل الليبي مفادها أن أنقرة قادرة على التواصل مع شخصيات من مناطق واتجاهات مختلفة، كما يحمل رسالة إلى القوى الإقليمية والدولية بأن تركيا لا تريد أن تكون مجرد طرف داعم لـمعسكر سياسي محدد، وإنما لاعباً يمتلك القدرة على التحرك عبر أكثر من قناة.
دلالة الحضور التركي الأمني والسياسي
تزداد أهمية اللقاء بالنظر إلى حضور رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالين، وهو حضور يستحق القراءة السياسية والأمنية، لكن دون القفز إلى استنتاجات لا تدعمها المعطيات المتاحة. فـوجود مسؤول بهذا المستوى يشير إلى أن الملف الليبي يحظى باهتمام تركي يتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، وأن أنقرة تنظر إلى التطورات السياسية باعتبارها مرتبطة مباشرة بمصالحها الأمنية والاستراتيجية، لكنه لا يمثل في حد ذاته دليلاً على وجود اتفاق سري أو صفقة مكتملة بين الأطراف الليبية. والفارق مهم بين وجود قناة امنية وسياسية رفيعة المستوي وبين وجود اتفاق نهائي، الأول مؤشر علي ارتفاع مستوي الاهتمام التركي، اما الثاني فلا يمكن اثباته الا من خلال نتائج ملموسة.
لماذا قد تعيد تركيا حساباتها في ليبيا؟
ترتبط المصالح التركية في ليبيا بمجموعة واسعة من الملفات. فهناك الترتيبات البحرية والأمنية والعسكرية التي تشكلت منذ عام 2019، وهناك المصالح الاقتصادية المرتبطة بإعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة والعقود، إلى جانب ملف الهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب.كما أن تركيا تدرك أن أي تسوية سياسية مستقبلية قد تعيد توزيع النفوذ داخل ليبيا، ولذلك فإن الحفاظ على موقعها لا يتطلب بالضرورة دعم طرف بعينه، بقدر ما يتطلب امتلاك قنوات اتصال مع أكبر عدد ممكن من القوى المؤثرة. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الانفتاح على شخصيات من شرق ليبيا باعتباره محاولة لتوسيع هامش الحركة وليس بالضرورة تخلياً عن الحلفاء التقليديين في غرب البلاد.
الشرق الليبي باعتباره الاختبار الحقيقي
إذا كانت تركيا قد تمكنت خلال السنوات الماضية من بناء نفوذ سياسي وأمني واضح في غرب ليبيا، فإن الاختبار الأصعب أمام أي إعادة تموضع تركية سيكون قدرتها على بناء علاقة مستقرة مع مراكز القوة في الشرق.
فـ الشرق لا يمثل مجرد منطقة جغرافية مختلفة، وإنما يرتبط بشبكة من الحسابات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الدور المصري والعلاقات الروسية والإماراتية، إضافة إلى موقع القيادة العامة والفاعلين السياسيين والمؤسسات الموجودة في المنطقة.ولهذا فإن مجرد لقاء عقيلة صالح وتكالة في أنقرة لا يكفي للقول إن تركيا أصبحت لاعباً متوازناً بين الشرق والغرب. والمعيار الحقيقي سيكون في ما إذا كان هذا اللقاء سيتحول إلى مسار مستمر، وهل ستتوسع الاتصالات التركية مع شخصيات ومؤسسات شرق البلاد، وهل ستظهر نتائج اقتصادية أو سياسية أو أمنية تعكس تحولاً فعلياً في السياسة التركية.
المعادلة المصرية والإقليمية
لا يمكن قراءة أي تحول تركي في ليبيا بمعزل عن القاهرة. فمصر تنظر إلى ليبيا من منظور يرتبط مباشرة بأمنها القومي وحدودها الغربية، ولذلك فإن أي توسع تركي في شرق ليبيا سيحظى باهتمام مصري كبير.وفي المقابل، قد لا يكون من مصلحة أنقرة أو القاهرة العودة إلى منطق الصراع الصفري، خصوصاً إذا أصبح الطرفان أكثر اقتناعاً بأن الحفاظ على المصالح يمكن أن يتحقق من خلال تفاهمات جزئية بدلاً من المواجهة المفتوحة.
كما ستراقب الإمارات وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أي تغير في قواعد التوازن داخل ليبيا، فإذا تحولت المبادرة التركية إلى دعم لمسار سياسي ليبي شامل، فقد ينظر إليها بعض الأطراف باعتبارها عاملاً مساعداً، أما إذا تحولت إلى محاولة لإعادة توزيع النفوذ الخارجي على حساب الأطراف الأخرى، فقد تفتح الباب أمام منافسة جديدة تزيد من تعقيد الأزمة.
السيناريوهات المحتملة
• السيناريو الأول: ويتمثل في أن يكون اللقاء مجرد تفاهم محدود قابل للتوسع، وهو السيناريو الأكثر اتساقاً مع طبيعة المرحلة، بحيث تستمر تركيا في اختبار قنوات التواصل مع مختلف الأطراف دون الالتزام بمسار سياسي نهائي.
• السيناريو الثاني: ويتم فيه انتقال التفاهم الشخصي إلى ترتيبات سياسية أو انتخابية أوسع، خصوصاً إذا جرى تحريك الملفات المتعلقة بالقوانين الانتخابية والقاعدة الدستورية وترتيبات المرحلة الانتقالية.
• السيناريو الثالث: ويتمثل في فشل المبادرة أو توقفها عند حدود اللقاء، نتيجة اختلاف الحسابات الليبية أو الإقليمية، وهو احتمال يبقى قائماً في ظل هشاشة التفاهمات بين الأطراف.
• السيناريو الرابع: وهو تحول الملف إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي أكثر وضوحاً، بما يؤدي إلى زيادة تدويل الأزمة بدلاً من إنتاج تسوية ليبية مستقرة.
مؤشرات يجب مراقبتها
يمكن قياس جدية التحول التركي من خلال مجموعة من المؤشرات العملية، أهمها ظهور وثيقة أو تفاهم سياسي معلن، وإعادة تفعيل المسارات المتعلقة بـ القوانين الانتخابية، واستمرار التواصل التركي مع شخصيات ومؤسسات من شرق ليبيا، وظهور تحركات اقتصادية تركية جديدة في مناطق مختلفة من البلاد.كما سيكون من المهم مراقبة الموقف المصري من أي انفتاح تركي جديد، وموقف بعثة الأمم المتحدة من المسارات الموازية، وأي ترتيبات أمنية قد ترتبط بالتفاهمات السياسية، إضافة إلى ردود الفعل الروسية والإماراتية والأمريكية والأوروبية.
تقدير موقف عام
نري في " المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية"، أن لا ينبغي التعامل مع لقاء عقيلة صالح ومحمد تكالة في أنقرة باعتباره صفقة تركية ليبية مكتملة، كما لا ينبغي اختزاله في لقاء بروتوكولي عابر فـ الأرجح أن تركيا تختبر مرحلة جديدة في إدارة نفوذها داخل ليبيا، تقوم على الانتقال من الاعتماد على محور جغرافي وسياسي محدد، إلى بناء شبكة أوسع من العلاقات مع مختلف مراكز التأثير. وهذا التحول، إذا ثبت، لا يعني أن تركيا انتقلت من الغرب إلى الشرق، وإنما يعني أنها تحاول الانتقال من سياسة الارتكاز على طرف إلى سياسة تعدد قنوات النفوذ، بما يحفظ مصالحها في الأمن والطاقة والاقتصاد والبحر المتوسط، ويضمن لها مقعداً مؤثراً في أي تسوية سياسية مقبلة.
ولكن نجاح هذا التوجه لن يقاس بعدد الاجتماعات ولا بـ مستوى الشخصيات المشاركة فيها، وإنما بما سينتج عنها من ترتيبات مؤسسية واضحة ومسار سياسي قابل لـ الاستمرار، وإذا تحول الانفتاح التركي إلى دعم لتسوية ليبية متوازنة وشفافة فـ قد يصبح عاملاً مساعداً في تقليص الانقسام، أما إذا تحول إلى هندسة جديدة لموازين النفوذ الخارجي، فإن النتيجة قد تكون إعادة إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة.
الخلاصة
إن السؤال الأهم ليس من يملك النفوذ الأكبر في ليبيا، بل ما إذا كان هذا النفوذ الخارجي يمكن أن يتحول من وسيلة لإدارة الانقسام، إلى وسيلة لدعم تسوية ليبية حقيقية تنهي المرحلة الانتقالية، وتضع البلاد على طريق الاستقرار.
الرابط المختصر
استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.
