يبدو أن شهر " أكتوبر " يحمل الكثير بـ النسبة لعرب المحاميد في دولة " النيجر "، فقد أصدرت السلطات الأمنية في إقليم " ديفا " قرارات بـ مصادرة الأوراق الثبوتية لـ مجتمعات العرب المحاميد- وفق صحيفة إيكو دو نيجر "(Echo’s du Niger) ، وقد وصل الأمر الى الذروة، بحيث طالت القرارات إيقاف المدارس، ومصادرة مصادر رزقهم من إبل وماشية، وامتدت سياسة الحكومة النيجرية إلى إيقاف ضخ المياه في الابار التي يعتمد عليها " عرب المحاميد " لاستخداماتهم اليومية،
وترجع بعض المصادر الميدانية، الى أن قرارات الحكومة النيجيرية، لا تستهدف أبناء قبيلة المحاميد، وإنما تستهدف الافراد الوافدين من مناطق الصراع في السودان و تشاد، وفي رده فعل على إجراءات الحكومة النيجرية، أصدر مجتمع المحاميد بياناً ، يرفض فيه هذه الإجراءات، ويؤكد على إنهم مكون مجتمعي أساسي في المنطقة. وتعكس هذه التطورات استمرار أزمات الدول الافريقية ما بعد الاستعمار التي عجزت عن تحقيق اندماج وطني حقيقي يستطيع الوقوف أمام الازمات التي يمكن ان تواجهها الدولة،
ويمكن استعراض هذه الازمة على النحو الآتي:
أولاً: أكتوبر شهر الازمات بـ النسبة لعرب المحاميد
لا تمثل قرارات الحكومة النيجرية سابقة نوعيه، فـ بعض وسائل الاعلام المحلية، رددت أن قرارات الحكومة هي تنفيذا لقرارات سابقة كانت تنوي النيجر تطبيقها منذ أكتوبر 2006، بحيث يتم ترحيل العرب الوافدين من دول الجوار، واللذين لا يحملون أوراقا ثبوتية، ويعتبروا مكون مستجد على سكان المنطقة، وقد قدرت بعض المنظمات الدولية أعدادهم حوالي 150 ألف وافد، وان الحكومة سوف ترحل حوالي 4000 منهم. وقد تراجعت الحكومة النيجيرية عن تطبيق هذا القرار في حينها وذلك بسبب تدخل بعض حكومات دول الجوار لتهدئة الأوضاع وحل الازمات داخل المجتمعات وبعضها بشكل ودي .
ثانياً: جذور الازمة الأصلية
قبل استعراض جذور الأزمة، لابد من التنويه إلى أن " عرب المحاميد " الموجودين في منطقة " ديفا "، هم بطن من بطون قبيلة " الزريقات "، وهي القبيلة التي ينتمي اليها مقاتلي " الدعم السريع " بل ان " حميدتي"
نفسه ينتمي الى فرع " المهارية " وهي من أحد بطون الزريقات والتي تتضمن الماهرية والنوايبة والعريقات والعطيفات .
في الواقع، هناك عدة تحديات تواجه المجتمعات في هذه المنطقة، فمنطقة " ديفا " يتواجد فيها تعدد إثني (كانوري، هاوسا، فولاني، عرب الشوه، أولاد سليمان، وعرب المحاميد)، والقبيلة الأخيرة قد شهدت موجات هاجرت من الجوار التشادي والسوداني اليها، خاصة خلال عقدي الثمانينات والسبعينات، وقد كان من أسباب هذه الهجرة، هو موجة الجفاف التي ضربت المنطقة.
وأما النشاط الاقتصادي المنتشر في هذه المنطقة فـ هي الزراعة (تمتهنها المجتمعات الأصلية) والنشاط الرعوي (بعض العرب والفولاني، والمحاميد)، وقد تسبب التغيير المناخي في تحفيز الصراع ما بين المزارعين والرعاة .
و" المحاميد " مكون يعتمد على الرعي، بل انهم يسمون " الابالة " ما يدل على نشاطهم المتخصص في الرعي (أبل، ماشية)، بينما المجتمعات الاصلية تعتمد على الزراعة الموسمية، ما يضفي بعدا اقتصاديا على الصراع الاثني بين المكونات المجتمعية في منطقة " ديفا " .
ثالثا: وضع أمنى داخلي مضطرب
وفيما يتعلق بـ المشهد الأمني، فتعاني منطقة " ديفا " من انتشار الجماعات الإرهابية إرهاب " بوكو حرام " والفصائل الأخرى، فـ فعلياً بتمركز " بأكوار " زعيم فصيل " أهل السنة للدعوة والجهادJAS " في جزر " بحيرة تشاد " بـ منطقة " ديفا "، بينما تتواجد مجموعات إرهابية تتبع فصيل " ولاية غرب افريقيا ISWAP "، ويسعى الأخير الى مد نفوذه ليصل الى مناطق يتواجد فيها " داعش ولاية الساحل " في الجنوب الغربي بمنطقة "تيلا بيري "، وقد أسفر هذا التنسيق عن استهداف مطار " ديورو هاماني " في يناير الماضي ، هذا فضلا عن تواجد مجموعات إرهابية تتبع جماعة " نصرة الإسلام والمسلمينJNIM " حاولت أيضا استهداف نفس المطار في يونيو الماضي .
ويبدو أن الوضع الأمني المضطرب قد أثر على تماسك واستقرار المؤسسة العسكرية في النيجر، إذ اندلعت محاولة تمرد في 29 أغسطس الماضي، قادته أبرز الوحدات العسكرية التي تشارك في عمليات مكافحة الإرهاب وهي وحدة " القوات الخاصة "، ما استدعى اجراء تغييرات هيكلية في المؤسسة العسكرية، حيث طالت تغيير وزير الدفاع ورئيس الأركان وعدد كبير من الضباط، وذلك بسبب تورطهم في المحاولة الانقلابية .
رابعاً: مشهد أمنى إقليمي مضطرب
تواجه المنطقة اضطرابات متزايد بسبب اندلاع الصراعات والحروب الاهلية، وتحول المنطقة كـ ميدان للحروب بالوكالة، وانعكاسا لواقع دولي مضطرب، وتأتي حرب السودان كـ مثال واضح لهذا المعني، وبدون الدخول في تفاصيل لا تغيب عن المتابع للشأن الإفريقي، فأن الدعم، والدعم المقابل، ادخل المنطقة في حلقة مفرغة من العنف، لا يبدو لها نهاية. كما أن التدخل الخارجي يستغل الخلل في الداخل، وبالتالي العلاج يكون من داخل المشكلة ثم الانتقال لمواجهة الدعم الخارجي.
ويبدو أن الحكومة النيجرية تحاول مواجه سيناريو تعاني منه الجارة تشاد، فقد توعد " عثمان ديلو "، ابن عم الرئيس التشادي " محمد إدريس ديبي "، بالعودة قريباً إلى تشاد للإطاحة بـ حكومته، وسط تصدعات وانقسامات داخل الجيش التشادي، ونخبة قبيلة " الزغاوة " الحاكمة على خلفية الحرب في السودان .
والسؤال المطروح، ما دخل وضع " عرب المحاميد " في هذه الدائرة؟ الواقع، أن العرب في منطقة " ديفا " لهم علاقة وثيقة، فـ الانتماءات القبيلة والولاءات تحت الوطنية تفرض نفسها على أعضاء المجتمع، وبالتالي ليس من الغريب حينما يتورط " حميدتي " في حرب، أن يقوم أبناء القبيلة بمساندته، وهو ما تستحضره الحكومة النيجيرية، في إجراءاتها، حيث ان الرواية الرسمية تذهب لأن هناك دعم عربي " لـ حميدتي " المتمرد على قوات الجيش السوداني، وقد قدرت أحدى الدراسات عدد هؤلاء بالألاف، وتزعم هذه الدراسة لـ عودة المقاتلين الى منطقة ديفا، وهو ما يؤثر على استقرار وأمن المنطقة، وتعتمد الرواية الرسمية على دعم الرئيس السابق "محمد بازوم " لقوات حميدتي، اثناء المعارك في دارفور .
هذا إلى جانب انتشار " عرب المحاميد " في المنطقة الحدودية (الجنوب الشرقي) ما بين " ليبيا " و" النيجر "، وتسيطر هذه القبيلة على غالبية الأنشطة الاقتصادية (المشروعة وغير المشروعة)، ومسئولة عن تقديم دعم لوجيستي لقوات " الدعم السريع "، ولا يعني هذا أن كل المحاميد يدعموا " الدعم السريع "، لكنهم منقسمين بين دعم الجيش السوداني، والدعم السريع. وما يدل على هذا، هو موجة الانشقاقات التي ضربت قوات الدعم السريع مؤخراً بـ انشقاق أبرز القيادات المحسوبة من المحاميد " النور قبة "، و" السافانا " مطلع هذا العام . وعلى أي حال، تسيطر هذه القبيلة على مناجم الذهب في " دارفور " والمناطق الحدودية، خاصة منطقة فزان في الجنوب الليبي، وهو ما يعني ارتباط الصراع بنشاط اقتصادي، أي تكوين اقتصاد يعتمد على الصراع المندلع في المنطقة، وتعقيد الازمات، عبر الاستثمار في تجارة الذهب وتحويل عائداتها لتمويل تمرد الدعم السريع .
وبناء علية، يمكن تفهم موقف الحكومة النيجرية، والتي تحاول إرساء الاستقرار والامن في المنطقة التي تتميز بالطبيعة الهشة اساساً، على أن التمييز العرقي والإجراءات التي اتخذتها السلطات الأمنية ضد المجتمع العربي – المحاميد - المتواجدين منذ القرن التاسع عشر، كانت واضحة، وطالت اعيان المجتمع نفسة، ولم تستهدف مجموعات معينه، بل وصلت الي مصادرة الابل والتي تمثل مصدر رزقهم الأساسي، وقطع المياه، وإيقاف التعليم، وهي تعتبر جرائم في حق المجتمعات المتواجدة.
وبالتالي ربما يمكن أن تتحول تخوفات الحكومة النيجيرية لـ سياسة اقصاء وتهميش وتمييز ضد مكون أصلي في منطقة ديفا، وأن التخوف من عودة المقاتلين الداعمين للدعم السريع، او حتى اتهام تجمعات بتهم الإرهاب، لا يمكن أن يكون الأداة النافذة، التي تحقق الاستقرار والامن. بل على العكس، يمكن لتلك الإجراءات التي تحفز الافراد الى التمرد وربما الانضمام للجماعات التي تحارب الدولة، سواء كانت إرهابية او إجرامية، او لصوصية .
وإجمالاً، يمثل وضع " عرب المحاميد " نموذجا معقداً لتداخل الهوية والاقتصاد والأمن في الدول الأفريقية، فـ الإجراءات الحكومية ضد هذا المكون المجتمعي، تكشف عن هشاشة البنية الوطنية، وعجز الدولة عن تحقيق اندماج شامل، يوازن بين الولاءات تحت الوطنية ومتطلبات الأمن القومي.
كما أن ارتباط المحاميد بـ الصراعات الإقليمية في" السودان " و" تشاد " و " ليبيا "، يضاعف من حساسية وضعهم، بل ويجعل من تواجدهم الواسع والمنتشر في تلك المنطقة قاعدة لانطلاق تمرد ضد حكومات دول الساحل، ما جعلهم في قلب معادلة الأمن الإقليمي المضطرب.
وأخيراً، يمكن لـ الحكومة النيجرية أن تمنع تسرب مقاتلين من " الدعم السريع " عبر ضبط الحدود، وتفعيل التنسيق الأمني مع الجوار الإقليمي، و الاستماع لمشاكل المجتمعات المحلية، ووضع حدود لقضية التسرب عبر الحدود المفتوحة، كي لا تتحول مناطق تواجد العرب لـ قواعد يمكن أن تزعزع الاستقرار في دول الساحل، ويمكن ايضاَ لنظام الحكم، أن يكتسب مزيد من الشرعية عبر إجراء حوار وطني حقيقي وفتح المجال السياسي، وعودة الحياة الحزبية مرة أخرى، كما يمكن مواجهة التهديدات الأمنية باستخدام الطرق الهجينة التي تجمع بين القوة والتفاوض وتحقيق التنمية الحقيقية، أما الممارسات التي تعتمد على التهجير القسري ومصادرة الوجود الشرعي والترحيل التعسفي، لا يمكن أن يكون الحل النهائي للأزمة، بل إن اعتماد الحلول التي تعتمد على القوة قصراً لا يمكن أن تؤدي لحل فعال.
الرابط المختصر
استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.
