هندسة الحروب.. هل يمكن ان تندمج الحرب الروسية الأوكرانية وحرب الولايات المتحدة على إيران؟
يعتبر " بحر قزوين "، منطقة هامة وأكبر بحيرة مغلقة عالمية، وتشترك فيها عدة دول (روسيا، اذربيجان، ايران كازاخستان، وتركمانستان)، تمتد مساحتها 143 الف متر مكعب، ما يعني أنها أكبر من مساحة البحيرات العظمي في أمريكا مرة ونصف، هذه البحيرة المغلقة قد أصبحت شريان الحياة لـ روسيا وإيران، وذلك بسبب العقوبات على الدولتين في اعقاب الحروب المندلعة، ولعل هذا الرابط الجيوسياسي يجعلنا نطرح تساؤلات حول إمكانية ادماج الحربين معاً، وما مدى تحقق ذلك، ولماذا امتلأت الميديا الغربية بتسليط الضوء علي هذه الفكرة؟، بل ونادت أصوات في الكونجرس الأمريكي بضرورة الدفع باتجاه هذا المنحى، ولماذا يتم تشبيه أوكرانيا بـ إسرائيل الغرب ، ولماذا استهدفت أوكرانيا سفن الشحن الإيرانية في منطقة " بحر قزوين " بـ التزامن مع وزيارة الرئيس الاوكراني " زيلينسكي " الى البيت الأبيض خلال الشهر الماضي؟.
وفي هذا المقال نحاول تسليط الضوء على مقامرة " زيلينسكي " ومهندسي الحروب على محاولة ادماج الحربين معاً وتوريط الإدارة الامريكية بقيادة " ترامب " في الفخ الذي تحاشاه ورفضه " بايدن "، وذلك على النحو الاتي:
أولاً: الأهمية الاستراتيجية لبحر قزوين في منطقة الاوراسيا
بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، وفرض العقوبات على روسيا، فقد اعتمدت الدول الاوروبية على منطقة "اسيا الوسطى " في وارداتها من الغاز، لذلك فأن أي تهديد للأمن في " بحر قزوين " يهدد امن الطاقة الأوروبي فـ على سبيل المثال، تعتمد حوالي 16 دولة أوروبية على دولة " أذربيجان " في امداداتها بالغاز، ومن المنتظر تزايد الطلب الأوروبي على الطاقة، بل ان الامر لا يتوقف عند الطاقة، بل يشمل المعادن النادرة لتقليل الاعتماد على الصين.
بالنسبة لـ روسيا، فـ هي تعتمد عليه في تصدير طاقتها، ومنتجاتها، ومعداتها العسكرية، أي انه يوفر ممراً تجارياً آمناً بعيداً عن تأثير العقوبات الغربية، ويعتبر ممر محصن محمي يمنع تواجد أي قوات اجنبية، وتستخدم روسيا موانئ مثل أستراخان وأوليا لنقل المعدات والشحنات العسكرية بشكل آمن وخفي بعيداً عن الأعين. وبالنسبة لإيران فقد أصبح شريان الحياة لاقتصادها بعد الحصار الأمريكي والحرب الامريكية المفروضة عليها.
وفي البداية استهدفت أوكرانيا سفن الطاقة الروسية في " بحر قزوين "، وبمرور الوقت صعدت " كييف " من ضرباتها، لتطال سفن الشحن التجارية الروسية منذ سبتمبر 2025 ،
وعلى نفس النهج، أقدمت إسرائيل على نفس الخطوة، حيث استهدفت سفن إيرانية تمر عبر " بحر قزوين " خلال حرب الأربعين يوم مارس الماضي ، كما ان الولايات المتحدة استهدفت جسر إيراني كان يستخدم لتصدير السلع واستيرادها من إيران لـ روسيا والصين مطلع شهر يوليو الماضي ، وقد دُمرت سفينة الشحن " بورت أوليا 4 " في أغسطس الماضي بينما كانت محملة، بحسب التقارير، بمكونات طائرات " شاهد-136 " المسيرة بالإضافة الي ذخائر إيرانية والتي كانت وجهتها الأخيرة " روسيا " .
ثانياً: تحرش اوكراني وضربات إسرائيلية تطال مصالح "طهران"
اتهمت طهران في 25 يوليو الماضي " كييف "، بتنفيذ هجوم على أحد سفن الشحن التجارية الإيرانية في "بحر قزوين "، وذلك عبر استخدام طائرة مسيرة، وقد أسفر الحادث عن وفاه بحار إيراني، وجرح اخر، وفي اعقاب ذلك، استدعت طهران المبعوث الاوكراني لديها لإبلاغها ان الحادث مرفوض، وفي 28 يوليو اتصل وزير الخارجية الأوكرانية بنظيرة الإيراني لإبلاغه أن أوكرانيا لا تسعى لتوسيع رقعه الحرب، وان الحادث غير مقصود .
وفي 27 مايو الماضي، أعلن مستشار الامن القومي العراقي " قاسم العبودي " عن اكتشاف خلايا " اوكرانية " في العراق متورطة في شن هجمات على الميليشيات الشيعية التابعة لإيران، ووفقا " للعبودي " فأن الافراد اللذين تم القبض عليهم اعترفوا بأنهم يعملون لمصلحة " أوكرانيا "، وهي التصريحات التي رفضتها " كييف " على الفور عبر وزارة خارجيتها، بل واعتبرتها جزء من البروباجندا الروسية ضدها، خاصة وانه لا يوجد أي اثبات او دلائل على هذه التصريحات، ولم تشارك " بغداد " أي من التفاصيل مع الدبلوماسيين الاوكرانيين.
وقد يكون الرفض الاوكراني بـ محله، لكن واقع انخراط " أوكرانيا " في صراعات أخرى مثل " افريقيا " و" الشرق الأوسط " واضح، سواء كان هذا الانخراط عبر الدعم الفني او العسكري المباشر بـ المعدات حيناً والمشورة الفنية أحيانا أخرى، ومن ابرز الصراعات التي انعكست فيها الحرب الروسية الأوكرانية هي الحرب في السودان، وفي الساحل الافريقي، عبر دعم الجيش السوداني او الحركات المسلحة المتمردة في النيجر ومالي وبوركينا فاسو، خاصة بعد تقارب الدول الأخيرة مع الحليف الروسي، وبالتالي فـ أي احتمالية لـ تواجد خبراء اوكراني عسكريين في ميادين القتال المختلفة موجود ومثبت، هذا فضلاً ، أن اكتشاف قواعد عسكرية إسرائيلية خفية في العراق ليس بالشيء الجديد ، خاصة، أن هناك علاقات وثيقة بين إسرائيل وأوكرانيا، وفي هذا السياق لا يمكن استبعاد وجود خبراء او عسكريين او اشخاص يعملون لـ تحقيق الامن الاوكراني او الامن الإسرائيلي على الأراضي العراقية.
ثالثاً: مقامرة " زيلينسكي " التي لم تتحقق بعد
حدث كل ذلك قبل زيارة " زلينسكي " لـ البيت الأبيض وعقد اجتماع مع الرئيس " ترامب " في 28 مايو الماضي، ويبدو ان الأول كان يرتجي من الرئيس ترامب مزيدا من التمويل لـ الحرب ضد روسيا، وايضا إمداده بـ منظومة صواريخ دفاعية جديدة، لكن الزيارة انتهت دون الإعلان عن أي من الصفقات التي كان يريد الحصول عليها الرئيس الاوكراني، وقد علق " ترامب " انه لدية علاقات متميزة مع كلا الرئيسين الروسي والأوكراني، وأكد على ضرورة انتهاء الحرب المندلعة منذ 4 أعوام.
وبالتزامن مع زيارة الرئيس الاوكراني للبيت الأبيض، فقد انتشرت في الميديا ولقائه بالرئيس ترامب، الفكرة التي كان ينوي الأول تسويقها للأخير، مفاد هذه الفكرة هي ربط او دمج حرب أوكرانيا مع حرب واشنطن على إيران، وذلك بدعوى ان روسيا حليف لإيران وتمدها بالمعلومات الاستخباراتية وصور أقمار صناعية، لـ مواقع أمريكية استراتيجية في الخليج العربي، ولان إيران تمد روسيا بالطائرات المسيرة والتي بفضلها حققت روسيا انتصارات كبيرة على أوكرانيا، هذا فضلاً عن العلاقات الاقتصادية والتجارية بينهم.
وقد اعتمد " زلينسكي " على حادث استهداف السفينة التجارية الإيرانية في " بحر قزوين " كـ دلاله على أهمية " أوكرانيا " في حرب " واشنطن " على " ايران "، وبالتالي الاستفادة من الدعم الأمريكي لها، أي ان "زليسيكي " يريد ان يتحول من طرف متلقي لـ المعونات الامريكية الى طرف فاعل وشريك في الحرب على روسيا، وهو ما يعزز من موقفة في الحرب ويوسع رقعه الصراع ، كما اعتمد " زلينسكي " على بعض الأطراف في تيار " ماجا " الأمريكي ليقنع الرئيس ترامب بهدة الفكرة، وخاصة النائبة " لورا لومر " التي وعدت بذلك في احد تصريحاتها لوسائل اعلام اوكرانية عشية زيارة " زيلينسكي ".
وعلى جانب اخر، فقد حققت أوكرانيا في الآونة الأخيرة عدة نقاط اعتبرها الاعلام الغربي انتصارات مهمة ضد روسيا، حيث ركزت الميديا الغربية على ابراز الضربات الأوكرانية، في مقابل تجاهل الوضع العسكري الميداني والذي يشير الى فقدان الأخيرة " مدينتين " في يوم واحد، كما أن روسيا كثفت من ضرباتها على العاصمة، وخاصة لبني التحتية للطاقة ومحطات الكهرباء.
رابعاً: إسرائيل وأوكرانيا وجهان لعمله واحدة
تبدو إسرائيل وأوكرانيا وجهان لعملة واحدة، هذه هي الدعاوى التي ظهرت في الاعلام الغربي، والتي يبني عليها مهندسي الحروب فرضيتهم في إمكانية دمج الحربان، فـ الدولتان تواجهان عدوا للغرب، وكلتاهما تقعان في مناطق التماس ذات الأهمية الجيوسياسية للغرب والولايات المتحدة، هذا بالإضافة الى السلاح الغربي الذي يستخدمانه، وبالتالي فأن الجدوى يمكن أن تصبح في صالح الغرب.
وفي نفس السياق يوضح " جورج بيبي " من معهد " كوينزي " الهدف النهائي من هذه الادعاءات وهو " جر الولايات بشكل مباشر إلى الصراع الأوكراني مع روسيا، بطرق لا تخدم مصالح أمريكا "، وذلك عبر تصوير أوكرانيا بأنها مفيدة في حربها مع روسيا في أوروبا الشرقية - وربما افضل من الحلفاء الغربيين - كما أن " إسرائيل " مفيدة للولايات المتحدة في حربها ضد طهران في الشرق الأوسط، كما يأمل " زلينسكي " من تأمين دعم ترامب عبر الحصول على منظومات دفاع صاروخية، والتخلي عن الدبلوماسية والتمسك بفكرة عقد اتفاق سلام مع روسيا، أي الحصول على دعم كامل امريكي على غرار إدارة " بايدن " وربما اكبر من ذلك. ويبدو ايضاً أن "زيلينسكي " يحاول أن يحصل على ما لم يمكن أن يحصل عليه من أي رئيس امريكي اخر.
ويضيف المتخصص في الشأن الإيراني " تاريتا باريسي " أن المكسب الاستراتيجي الأكبر لكييف " هو دمج الصراعين في صراع واحد، فـ مثل هذا الدمج سيغير جذريًا المنطق السياسي للحربين ". وسيزداد ترابط الأفراد الأمريكيين، وأصول الاستخبارات، والإمدادات اللوجستية، والتخطيط العملياتي بين الجبهتين. ومن شأن التعاون العسكري الروسي الإيراني أن يشجع واشنطن على التعامل معهما كـ جزء من صراع واحد، لا كـ أزمتين منفصلتين.
خامساً: الولايات المتحدة وسياسة الدعم مقابل التدخل العسكري المباشر
ما أن يتم توجيه تساؤلات للرئيس الأمريكي " ترامب " حول إمكانية دعم روسي او صيني لإيران في حربها ضد الولايات المتحدة، إلا ويقوم ترامب بـ نفي هذه الأفكار، فـ لماذا يسعى الرئيس الأمريكي لتأكيد هذا الرفض؟، في الواقع تنتهج الولايات المتحدة سياسة مفادها مساعدة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها، دون السماح للولايات المتحدة بأن تصبح طرفًا مباشرًا في القتال ضد روسيا، مع تجنب الدبلوماسية التي كان من الممكن أن تُنهي القتال. والأهم من ذلك، أن أوكرانيا يُمكن أن تُقدم شيئاً تفتقر إليه واشنطن حالياً: فرصة لتوسيع نطاق الصراع إلى جبهة جغرافية جديدة تماماً. أي، توجيه التصعيد الأفقي الإيراني ضدها.
وعلى جانب اخر، يضيف " تاريتا بارسي " بأن الإدارات الامريكية سواء كان " بايدن " أو " وترامب " تجنبا بشكل دوري الانخراط في حرب مع روسيا، عبر رفض إقامة منطقة حظر طيران فوق أوكرانيا، او حتى ارسال قوات أمريكية، او امداد أوكرانيا بأسلحة هجومية مثل طائرات اف 16، وصواريخ اتكامس، ويشدد " باريسي " على الخوف من فكرة توسيع الصراع الذي لن يأتي مرة واحدة ولكن، بعد سلسلة من الاحداث المتعاقبة، التي تزيد من تفاقم الصراع، حيث يقول " غالباً ما يؤدي توسيع نطاق الصراع إلى تفاقم المشكلة، مما يزيد من صعوبة حلها. ولعل الخطر الأكبر اليوم ليس في اختيار ترامب خوض حربين في آن واحد، بل في أن خطوات تصعيدية تبدو صغيرة تمهد الطريق لكارثة سعى كل من بايدن وترامب إلى تجنبها ".
وأخيرا، يحذر العديد من الخبراء من أن دمج الحربيين مع بعضهما البعض يمكن ان يزيد التعاون العسكري بين روسيا وإيران، فـ على الرغم من اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية بينهم منذ اتفاق أكتوبر، لكن لا تنص هذه الاتفاقيات على توحيد الجهود العسكرية، هذا يختلف مع الوضع بين روسيا وكوريا الشمالية منذ توقيع اتفاقيات دفاعية يونيو 2022، والتي تضمنت ارسال جنود لمساعدة روسيا في حربها على أوكرانيا.
واجمالاً، فأن محاولة الدمج بين الحربين " الروسية الأوكرانية "، و الحرب الامريكية على ايران، يكشف عن مقامره معقده، فـ " بحر قزوين " لم يعد مجرد ممر تجاري أو مصدر للطاقة، بل تحول لـ ساحة اختبار لإمكانية توسيع الصراع بين الغرب والشرق، وبما يهدد أمن الطاقة ويزيد من احتمالات التصعيد بين القوى الكبرى.
وعلى أي حال، فلا يبدو في الوقت الحالي ان الرئيس الأمريكي ينوى ربط الحربان، يتضح ذلك، من رفضه المعلومات التي تفيد باحتمالية تقديم دعم روسي لإيران في حربها، والمفارقة ان التقارير الامريكية الأخيرة كشفت عن دعم صيني لإيران خاصه فيما يخص استهداف القواعد الامريكية في الأردن والخليج، وهذا لا يعني ان مهندسي الحروب سوف يتوقفون عن المحاولة، لكن يبدو ان فكرة توسيع نطاق الحرب بهذا الشكل لم تكن مستساغة لإدارة " ترامب " في ظل تقارير وتسريبات تؤكد نقص الذخائر واحتياطات الصواريخ الدفاعية.
الرابط المختصر
استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.
