على وقع تسارع جهود التسوية الأممية والدولية، برز حراكًا ليبيًا موازٍ من خلال الإعلان عن رؤى ومبادرات للحل السياسي. وهي على النحو التالي:
أولًا، مقترح رئيس مجلس النواب " عقيلة صالح "، بـ تشكيل لجنة محايدة للإشراف على الانتخابات في ظل وجود حكومتين، تضم رئيس المصرف المركزي ووكلاء وزارتي الداخلية والدفاع من الشرق والغرب ومفوضية الانتخابات. وهو مقترح معاكس تماما للمبادرة الأمريكية، التي تضع الحكومة الموحدة ضمن أولوياتها. ثانيًا، مبادرة " الدولة المدنية " التي أعلن عنها المجلس العسكري لـ" ثوار مصراتة "، والتي تتضن رفض صفقات تقاسم السلطة بين العائلات الحاكمة وفرض العسكر والأمر الواقع. وتقترح خريطة طريق تمتد لـ 14 شهراً، تتلخص في البداية تنظيم انتخابات برلمانية، وتشكيل حكومة مصغرة محددة المهام، يليها الاستفتاء على الدستور، ثم إجراء الانتخابات الرئاسية.
ثالثًا، طرح رئيس حكومة الوحدة الوطنية " عبد الحميد الدبيبة " شروطاً أو محددات للتعامل مع المبادرات السياسية، أهمها التأكيد على بناء دولة مدنية وإجراء انتخابات نزيهة ورفض اللجوء إلى القوة لحسم الخلافات وإخضاع الأجهزة العسكرية والأمنية لـ الرقابة في عموم البلاد، كما تحدث عن " تنازلات شجاعة ". رابعًا، الإعلان عن تأسيس " تجمع الرؤية الوطنية " في طرابلس، بـ مشاركة مسؤولين ودبلوماسيين وأكاديميين، لدعم أي مسار ينهي الانقسام، داعين إلى التعامل الإيجابي مع مختلف المبادرات، بما فيها الأميركية، وفق معيار المصلحة الوطنية، مع رفض أي حلول خارجية تمس السيادة الليبية وتعمل على تقاسم النفوذ. أخيرا، اختيار نحو 60 سياسياً وناشطاً، خلال ملتقى جنيف، " مصطفى المجدوب " رئيساً لما سموه " حكومة ليبية موحدة "، في خطوة تستهدف إنهاء الانقسام والعودة إلى المسار الدستوري، وتوحيد المؤسسات وصولاً إلى الانتخابات.
الخلاصــة
بالنظر لهذه المبادرات كل على حدة، فإن إعلان عقيلة صالح تشكيل لجنة محايدة تشرف على الانتخابات مع استمرار الحكومتين هو تطور لافت ومغاير لما كان يقترحه في السابق؛ إذ دأب على التأكيد على ضرورة تشكيل حكومة جديدة موحدة تشرف على العملية الانتخابية، بهدف إنهاء احتكار الغرب الليبي لـ الشرعية الدولية على مستوى السلطة التنفيذية ممثلةً في حكومة الوحدة الوطنية، بجانب ضمان الحياد الحكومي تجاه العملية الانتخابية. أما إعلان ثوار مصراتة عن مبادرة الدولة المدنية تحمل في طياتها رفضا للمبادرة الأمريكية التي من ناحية تعطي دورا محوريا لـ صدام حفتر كـ رجل عسكري في رئاسة المجلس الرئاسي، ومن ناحية أخرى تقوم على تقاسم السلطة، وهما ما ترفضهما مبادرة ثوار مصراتة.
وحول طرح الدبيبة شروطاً لـ التعامل مع المبادرات السياسية، على رأسها التأكيد على بناء دولة مدنية، ربما هي شروط لجأ إليها الدبيبة لرفع الحرج عنه وإرضاء ثوار مصراتة الرافضين لـ عسكرة الدولة، خاصة وأن مصراتة تمثل حاضنة شعبية كبيرة يمكن أن يستند إليها لتعزيز موقفه السياسي. كما أن هذه الشروط ربما أراد بها الدبيبة التحايل على عملية إبداء موقف محدد من المبادرة، بوضع شروط عامة، خاصة وأنه في كلتا الحالتين، سيترتب على موقفه إغضاب أحد الأطراف؛ فإما أن يُغضب بعض مكونات الغرب الليبي إذا وافق على المبادرة، أو يُغضب الولايات المتحدة إذا رفضها أو عرقلها. وفي ذات السياق، فـ بالرغم من إعلان " تجمع الرؤية الوطنية " دعم أي مبادرة للحل، بما في ذلك الأمريكية، إلا أنهم أبدوا رفضهم لأي مبادرة تتضمن تقاسم النفوذ، وهو ما ينطبق على المبادرة الأمريكية، أي أن هناك رفضًا مبطنًا لها. وفي هذا السياق، اختيار ملتقى جنيف المجدوب رئيساً لـ حكومة ليبية موحدة، ربما يمثل محاولة لتقديم بديل للمقترح المتداول بشأن إبقاء الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة، كما ورد في بعض التسريبات المتعلقة بالمبادرة الأمريكية، وما قد يترتب على ذلك من ضغوط تمارسها بعض الأطراف على الدبيبة.
أخيرًا، يُلاحظ أن هذه المقترحات لا تتقاطع بدرجة كبيرة مع المبادرة الأمريكية، إذ تركز في معظمها على إجراء الانتخابات باعتبارها الهدف الرئيسي لـ العملية السياسية، فيما يرفض بعضها صيغ تقاسم السلطة أو عسكرة الدولة، بينما يتجاوز بعضها الآخر مسألة تشكيل حكومة موحدة من الأساس عبر الإبقاء على الحكومتين القائمتين.
وبشكل عام، فإنه يمكن قراءة هذه المبادرات والمقترحات جميعها في سياق سعي مختلف الأطراف الليبية إلى تثبيت مواقعها داخل المعادلة السياسية، بما يضمن عدم تجاوزها في أي صيغة محتملة للحل، في ظل تسارع الجهود الرامية إلى إعادة تشكيل المشهد الليبي وإعادة توزيع مراكز النفوذ ورسم معادلة جديدة للسلطة.
ومن الطبيعي أن تفضي أي تسوية مقبلة إلى إعادة ترتيب موازين القوة بين الفاعلين الليبيين، بما يخدم مصالح بعض الأطراف على حساب أطراف أخرى، الأمر الذي يدفع الجميع إلى محاولة فرض حضورهم وتأمين موقعهم في ترتيبات المرحلة المقبلة.
الرابط المختصر
استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.
