في 30 يوليو 2026، أجرى رئيس حكومة الوحدة الوطنية " عبد الحميد الدبيبة " زيارة رسمية لـ مصر، بحث خلالها مع الرئيس المصري " عبد الفتاح السيسي "، تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين، في مجالات البنية التحتية والطاقة والنفط والغاز والتعاون الأمني وبناء القدرات المؤسسية، وذلك بـ حضور رئيس الوزراء المصري " مصطفى مدبولي " ووزير الخارجية المصري " بدر عبد العاطي " ورئيس المخابرات المصرية " حسن رشاد ". ومن الجانب الليبي "إبراهيم الدبيبة " مستشار الأمن القومي و" وليد اللافي " وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية.
كما بحث الطرفان مستجدات الملف السياسي الليبي، مؤكدين أهمية مساندة المسار السياسي، وتهيئة الظروف اللازمة لإنهاء المرحلة الانتقالية. وفي ذات السياق، استقبل مصطفى مدبولي نظيره عبد الحميد الدبيبة، بـ مقر الحكومة في العلمين، في لقاء ركز بصورة أساسية على تعزيز التعاون الاقتصادي، ولا سيما في قطاع الطاقة. وأكد مدبولي تطلع مصر إلى توسيع التعاون مع ليبيا في مجالات الغاز الطبيعي وتكرير المنتجات البترولية والاستكشافات البترولية، إلى جانب دعم مشروع الربط الكهربائي بين البلدين.
كما أعرب الدبيبة عن رغبة بلاده في زيادة الاستثمارات المشتركة، وتوسيع مشاركة الشركات المصرية في مشروعات البنية التحتية والإعمار داخل ليبيا. كما بحث الطرفان التحضير للجنة العليا الليبية - المصرية، وتنظيم منتدى اقتصادي مشترك على هامش اللجنة.
وفي سياق آخر، استقبل وزير الخارجية التركي " هاكان فيدان " نائب القائد العام لقوات الشرق الليبي " صدام حفتر"، في العاصمة أنقرة. وقد نشرت وزارة الخارجية التركية صورة للقاء، مؤكدة انعقاده من دون الكشف عن تفاصيل المباحثات، فيما لم يكن اللقاء مدرجاً على البرنامج المعلن للوزير.
بالنظر إلى هاتين الزيارتين اللتين أُجريتا خلال أسبوع واحد، يُلاحظ أن من قام بهما هما عبد الحميد الدبيبة وصدام حفتر، وهما الاسمان الأكثر تداولًا لتولي المناصب الرئيسية ضمن التصورات المقترحة لـ المبادرة الأمريكية لحل الأزمة الليبية. كما أن الزيارتين اتجهتا إلى مصر وتركيا، وهما الطرفان الإقليميان الأكثر انخراطًا وتأثيرًا في مسار التسوية السياسية الجارية، بـ الأخص المبادرة الأمريكية. ومن ثم، فإن هذه اللقاءات لا يمكن قراءتها فقط في إطار تعزيز التعاون الثنائي على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، وإنما أيضًا في سياق التحركات الرامية إلى تهيئة البيئة الليبية والإقليمية للمرحلة المقبلة، خاصة مع دخول جهود التسوية مرحلة أكثر تقدمًا وحساسية، في القلب منها المبادرة الأمريكية.
وتزداد دلالة هذه التحركات بـ النظر إلى أن كلًا من مصر وتركيا استقبلت حليف الطرف الآخر في ليبيا؛ إذ التقى الرئيس المصري بـ عبد الحميد الدبيبة، الذي يُنظر إليه باعتباره حليف استراتيجي لأنقرة، في حين استقبل الرئيس التركي صدام حفتر، المحسوب على المعسكر الأقرب إلى القاهرة. ويعكس ذلك إدراكًا متزايدًا لدى مختلف الأطراف، الليبيين والإقليميين، لأهمية الحفاظ على قنوات التواصل مع جميع الفاعلين المؤثرين، بما يضمن تعزيز أوراقها السياسية وتثبيت موقعها في أي ترتيبات محتملة للمرحلة المقبلة.
وبشكل خاص، اكتسبت زيارة الدبيبة لـ القاهرة أهمية أخرى، خاصة وأنها الزيارة الأولى من نوعها منذ خمس سنوات، فقد كانت آخر زيارة رسمية متبادلة على مستوى رئيسي الحكومتين في إبريل 2021، عندما زار مدبولي طرابلس، قبل أن يزور الدبيبة القاهرة في سبتمبر من العام نفسه، ولقاءه بالسيسي على هامش اجتماعات اللجنة العليا الليبية المصرية المشتركة.
وبجانب الجهود المتسارعة المتعلقة بتسوية الأزمة الليبية والتي دفعت لهذه الزيارة، هناك دوافع أخرى تتعلق بحاجة الطرفين لـ بعضمها البعض، فـ ليبيا تواجه أزمة حقيقية في قطاع الكهرباء، وتمثل مصر بـ حكم البنية التحتية الجاهزة والقرب الجغرافي وجهة مناسبة لحل هذه الأزمة بشكل مستدام. كما تحتاج مصر لتأمين إمدادات النفط والغاز من أطراف متنوعة، بـ النظر للتوترات الإقليمية في الخليج وإسرائيل، وتمثل ليبيا فرصة نوعية لتلبية هذه الاحتياجات.
ويٌذكر أن مصر لا تستهدف فقط تلبية الاحتياج المحلي فقط، وإنما التحول لـ مركز إقليمي للطاقة، خاصة وأنها تتمتع بميزة مهمة، إذ تضم محطتي إسالة الغاز في إدكو ودمياط، وهما المنشأتان الوحيدتان العاملتان لإسالة الغاز وتصديره في منطقة شرق المتوسط حاليًا. وهذا ما يمنح القاهرة موقعًا محوريًا في خطط تصدير غاز المنطقة إلى الأسواق العالمية.
غير أن تطوير التعاون المصري الليبي في هذا الملف لـ مستويات متقدمة يظل مرتبطًا بـ معالجة الخلافات والإشكاليات القائمة بشأن ترسيم الحدود البحرية وتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة، وعلى رأسها الموقف من الاتفاقية البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة طرابلس عام 2019. وفي غياب تقدم ملموس في هذا المسار، سيظل التعاون بين الجانبين ممكنًا، لكنه مرشح للبقاء ضمن حدود معينة تحول دون انتقاله إلى شراكة أوسع وأكثر عمقًا.
الرابط المختصر
استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.
