شهدت العاصمة الأميركية واشنطن حراكاً دبلوماسياً وأمنياً مكثفاً يهدف إلى إعادة هندسة المشهد السياسي والعسكري في ليبيا. يعكس هذا الحراك تحولاً جلياً في الاستراتيجية الأميركية نحو تفعيل مسار " الواقعية السياسية"، حيث تسعى الإدارة لترتيب تسوية مباشرة بين مراكز القوى الفعلية على الأرض لضمان الاستقرار وتوحيد المؤسسات المنقسمة. وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في الزيارات المتوازية لكل من نائب قائد قوات الشرق، صدام حفتر، ووكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، عبد السلام الزوبي، اللذين يمثلان الثقل العسكري والتنفيذي لمعسكري الصراع.
خارطة اللقاءات والشخصيات الفاعلة في واشنطن
استندت المقاربة الأميركية إلى ترتيب اجتماعات منفصلة ومكثفة مع ممثلي المعسكرين الشرقي والغربي، مع وجود مساعٍ حثيثة تقودها الدبلوماسية الأميركية لجمعهما في مشاورات عسكرية مباشرة داخل واشنطن، والتي يُعول عليها أن تتوج بتوقيع اتفاقيات أمنية تمهد الطريق لتوحيد المؤسسة العسكرية.
يوضح الجدول التالي أبرز اللقاءات التي عُقدت في واشنطن والشخصيات التي شاركت فيها
المسؤول الليبي الشخصيات الأميركية المشاركة أبرز محاور النقاش
صدام حفتر
ماركو روبيو (وزير الخارجية)
مسعد بولس (كبير مستشاري الرئيس) توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية، مناقشة تفاصيل المبادرة الأميركية للحل السياسي، وبحث سبل تعزيز الوحدة والشراكات الاستراتيجية
عبد السلام الزوبي
كريستوفر لانداو (نائب وزير الخارجية)
مسعد بولس (كبير مستشاري الرئيس)
جون برينان (نائب قائد أفر يكوم) آليات دعم وتوحيد المؤسسة العسكرية، مكافحة الإرهاب، تأمين الحدود والحد من الهجرة غير النظامية، وتطوير الشراكة الدفاعية الثنائية
مسار اللقاءات ومستقبل مبادرة بولس
تشير طبيعة الاستقبالات الرسمية في واشنطن إلى أن الإدارة الأميركية باتت تتعامل مع شخصيات كـ صدام حفتر وعبد السلام الزوبي بوصفهم واجهات تفاوضية رئيسية في أي ترتيب مستقبلي، متجاوزة بذلك الاعتماد الحصري على المسارات الانتخابية الأممية لصالح بناء صفقات براغماتية لتقاسم السلطة. وتتجسد هذه الرؤية بشكل قاطع في الخطة التي يقودها مسعد بولس، والتي تقوم هندستها على دمج حكومتي الشرق والغرب في كيان تنفيذي واحد، بحيث يُبقى على عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة، في مقابل تولي صدام حفتر رئاسة مجلس رئاسي تنفيذي جديد يضمن نفوذ معسكر الشرق.
تتجه هذه اللقاءات نحو فرض تسوية ترتكز على مسارين متداخلين؛ الأول أمني يهدف إلى إنشاء قوة عسكرية مشتركة وتوحيد قيادة الجيش تدريجياً، وهو ما يعتبر امتداداً للتنسيق الذي برز مؤخراً في مشاركة الطرفين ضمن مناورات " فلينتلوك 2026 " في مدينة سرت. أما المسار الثاني فهو اقتصادي بامتياز، إذ تسعى واشنطن لضمان استدامة توحيد الميزانية الليبية وتأمين تدفقات الطاقة لخدمة استثمارات الشركات الأميركية الكبرى مثل شيفرون وكونوكو فيليبس، بالتوازي مع تحجيم التمدد الروسي في المنطقة. وإذا ما استمرت هذه المشاورات في تذليل العقبات بين الأطراف، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو دعوة القادة الليبيين إلى البيت الأبيض لتوقيع اتفاق سياسي وأمني نهائي برعاية رئاسية مباشرة.
على الرغم من هذه المكتسبات الدبلوماسية، تواجه المبادرة الأميركية معوقات هيكلية حادة قد تحد من استدامتها. فرغم تأييد قطاع عريض في مجلس النواب وقيادة الشرق للمبادرة، تبدي أطراف سياسية سيادية أخرى معارضة قوية، وترى في هذه الخطة تكريساً لنفوذ العائلات والشبكات المسلحة على حساب العملية الديمقراطية.
وعليه، فإن المخرجات المرتقبة لهذه اللقاءات قد تنجح بالفعل في تحقيق استقرار وظيفي واقتصادي قصير الأجل لتمرير الصفقات، إلا أنها تظل محفوفة بمخاطر إعادة إنتاج الأزمات إذا تم تهميش القوى المجتمعية والسياسية الأخرى، أو إذا غابت الآليات المؤسسية الكفيلة بضمان المساءلة ومنع احتكار السلطة والثروة.
الرابط المختصر
استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.
