مقدمة
تأتي هذه المذكرة في لحظة فارقة تمر بها الإدارة العامة في ليبيا، حيث باتت نزاهة الوظيفة العامة ومصداقية المؤهلات العلمية على المِحك نتيجة تراكمات سنوات من التهاون الإداري والرقابي. فـ لقد أصدر السيد النائب العام بتاريخ 22 يوليو 2026، تعليمات حازمة وشاملة لكافة الجهات العامة، تُلزمها بضرورة التثبت الدقيق من المؤهلات العلمية عند التعيين أو التعاقد، وقصر ذلك على خريجي المؤسسات التعليمية الخاصة المُستوفية لشروط الاعتماد الأكاديمي، في خطوة تهدف إلى تنقية الجهاز الإداري للدولة من أي اختراقات غير قانونية قد تمس بجودة الأداء العام وتكافؤ الفرص بين المواطنين.
إن هذا التوجيه القضائي لا يمثل مجرد إجراء إداري روتيني، بل هو إعلان عن بدء مرحلة " تطهير " مؤسسي تستهدف محاربة ظاهرة الشهادات غير المعتمدة أو المزورة التي نخرت جسد الدولة. إن استجابة السُلطات التنفيذية والتشريعية لهذه التعليمات ليست خياراً، بل هي واجب قانوني وأخلاقي تفرضه مُقتضيات المصلحة العليا، لضمان أن يشغل الوظيفة العامة من هو مؤهل لها فعلياً وفق التشريعات النافذة، وعلى رأسها قانون الخدمة المدنية رقم 12 لسنة 2010، بما يحقق العدالة الاجتماعية ويصون المال العام من الصرف غير المشروع لمرتبات ومزايا لمن لا يستحقها قانوناً.
الإطار القانوني لتعليمات النائب العام ومسؤولية الجهات العامة
لقد رسمت تعليمات النائب العام خارطة طريق واضحة للجهات العامة، حيث أوجبت مراجعة شاملة لقوائم المعينين من خريجي الجامعات والمعاهد الخاصة، والتحقق من مدى صحة وسلامة شهاداتهم العلمية. إن المسؤولية القانونية هنا تقع مباشرة على عاتق مسؤولي الشؤون الإدارية والموارد البشرية في الوزارات والهيئات، الذين باتوا ملزمين بـ التحقق من إدراج المؤسسة التعليمية ضمن القوائم المعتمدة، والتأكد من اعتماد البرنامج الدراسي ذاته، مع مراعاة فترات سريان الاعتماد الزمني. فإن أي تجاوز لهذه الضوابط بعد صدور هذا التعميم لا يمثل تقصيراً إدارياً فحسب، بل يرتقي إلى مصاف الجرائم الجنائية المتعلقة بإساءة استخدام السلطة والإضرار العمدي بالمال العام، مما يستوجب تفعيل الرقابة القضائية الصارمة على كافة قرارات التعيين الصادرة مؤخراً.
دور المركز الوطني لضمان جودة المؤسسات التعليمية في تحصين الوظيفة العامة
يبرز " المركز الوطني لضمان جودة واعتماد المؤسسات التعليمية والتدريبية " كـ حجر زاوية في هذه العملية الإصلاحية، حيث اعتبرته تعليمات النائب العام المرجعية الفنية الوحيدة والقاطعة للتحقق من سلامة المؤهلات. إن الاعتماد الأكاديمي ليس ترفاً، بل هو شهادة ضمان بأن الخريج قد تلقى تعليماً يتسق مع المعايير العلمية الدنيا المطلوبة لـ ممارسة المهنة. ومن هنا، فإن الضغط الشعبي والسياسي يجب أن يتجه نحو تمكين هذا المركز وتوفير الإمكانيات اللازمة له لتحديث قوائمه وتسهيل عملية الربط الإلكتروني مع الجهات العامة، لقطع الطريق أمام المتلاعبين بـ الشهادات العلمية، وضمان أن تكون " الجودة " هي المعيار الوحيد لـ الولوج إلى الوظيفة والخدمة العامة، بعيداً عن المحسوبية أو التزوير الذي طال بعض المؤسسات التعليمية الخاصة التي تفتقر لأدنى مقومات العملية التعليمية.
التبعات الإدارية والمالية للتهاون في فحص المؤهلات العلمية
أن حجم الهدر المالي والفساد الإداري الناتج عن التغاضي عن صحة المؤهلات لسنوات طويلة. وصرف مرتبات وعلاوات وترقيات بناءً على شهادات غير مُعتمدة أو وهمية يمثل استنزافاً صارخاً لـ ميزانية الدولة التي تعاني أصلاً من عجز في تمويل الخدمات الأساسية. وإن السكوت عن هذا الوضع هو مُشاركة في الجريمة، فـ كيف يمكن بناء دولة المؤسسات في ظل وجود " جيش " من الموظفين الذين لا يملكون الأهلية العلمية اللازمة لشغل مناصبهم؟ وإن تفعيل تعليمات النائب العام هو المدخل الحقيقي للإصلاح المالي، حيث سيسهم في تقليص التضخم الوظيفي غير المنتج، ويوفر الموارد المالية لتوجيهها نحو الكفاءات الحقيقية التي تهمشها اليوم منظومة "الشهادات الجاهزة " التي تباع وتشترى في غياب الرقابة.
معالجة أوضاع العاملين الحاليين: التحديات القانونية والحلول المقترحة
نطرح في هذه الورقة تساؤلاً جوهرياً حول كيفية معالجة أوضاع آلاف الموظفين الذين قد يكتشف عدم استيفائهم للشروط المطلوبة بعد سنوات من العمل. إن المعالجة العملية تتطلب شجاعة قانونية؛ فـ من ثبت تزويره لشهادة علمية يجب أن يلاحق جنائياً وتسترد منه كافة الأموال التي تحصل عليها دون وجه حق. أما أولئك الذين تخرجوا من مؤسسات كانت تعمل دون اعتماد مؤسسي مُكتمل، فيجب اولا، وضعهم أمام خيارات مُحددة تشمل إخضاعهم لاختبارات كفاءة وطنية تُشرف عليها لجان مُتخصصة، أو ثانيا، إلزامهم باستكمال مُتطلبات الاعتماد في مؤسسات معترف بها خلال فترة زمنية مُحددة، مع ثالثا، تجميد ترقياتهم وعلاواتهم إلى حين تسوية أوضاعهم.
إن الإبقاء على الوضع القائم تحت ذريعة " الأمر الواقع "، هو تكريس للفساد، ويجب على السلطة التشريعية إصدار تشريع استثنائي ينظم هذه التسويات بما يحفظ حقوق الدولة ولا يظلم من وقع ضحية لضعف الرقابة الحكومية على التعليم الخاص.
الخاتمة
ختاماً، تؤكد في " المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية "، أن تعليمات النائب العام الصادرة في يوليو 2026 تمثل فرصة تاريخية لاستعادة هيبة الدولة وإصلاح نظامها الإداري المُتهالك. وإن النقاط الجوهرية الواردة في هذه الورقة تتلخص في ضرورة الربط الإلزامي بين التعيين والاعتماد الأكاديمي الفِعلي، وتفعيل دور " المركز الوطني لضمان الجودة " كـ رقيب تقني لا يمكن تجاوزه، مع التشديد على أن أي تهاون في تنفيذ هذه التعليمات سيعرض المسؤولين للمساءلة القانونية المباشرة أمام القضاء الليبي.
إننا ندعو السلطة التشريعية إلى سرعة سد الثغرات القانونية في قوانين التعليم والخدمة المدنية والوظيفة العامة، والسلطة التنفيذية إلى البدء الفوري في مراجعة كافة ملفات الموظفين دون استثناء، ومن اعلى درجات الهرم الوظيفي، وندعو كذلك المجتمع المدني إلى مراقبة هذه العملية وضمان شفافيتها. إن إصلاح التعليم والوظيفة العامة هو حجر الأساس لبناء ليبيا المستقبل، ولا يُمكن القبول بأقل من الالتزام التام بمعايير النزاهة والكفاءة، فـ الوظيفة العامة أمانة، والشهادة العلمية ميثاق غليظ لا يجوز العبث به.
الرابط المختصر
استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.
