عسكرة الجنوب الليبي التداعيات الجيوسياسية والإنسانية لـ الإفراج عن محمود صالح برو
المقدمة
تُشير المعطيات الميدانية والتحليلات الاستراتيجية لواقع الجنوب الليبي إلى أن قرار القيادة العامة في الشرق الليبي بالإفراج عن المعارض النيجري " محمود صالح برو"، قائد " الجبهة الوطنية لتحرير النيجر "، لم يكن مجرد مناورة تكتيكية أو ورقة ضغط سياسية عابرة، بل شكل تحولاً نوعياً وحرجاً في بنية الأمن القومي الليبي. هذا الحدث، الذي أعقبه حصول الجبهة على التسليح والدعم وإعلانها انطلاق عملياتها من الأراضي الليبية تحديدا من سبها، ينقل إقليم فزان من مساحة جغرافية متأثرة بالأزمات إلى منصة نشطة وفاعلة في تصديرها وتغذيتها.
ونحاول في هذا التقرير تفكيك بنية هذا التحول، ونستعرض من خلاله الانعكاسات المباشرة على الأمن القومي الليبي، ومجال الدور الإماراتي، وخريطة المستفيدين محلياً وإقليمياً، مع تسليط الضوء على الكلفة الإنسانية الباهظة التي يدفعها سكان إقليم فزان.
التحول الاستراتيجي للحدود واختناق الأمن القومي الليبي
تم توقيف محمود صالح برو، المنتمي لمكون التبو، في فبراير 2025 بـ منطقة القطرون، إلا أن الإفراج عنه جاء في سياق تقاطع مصالح إقليمية ومحلية معقدة. وتكمن الخطورة الاستراتيجية في أن التخطيط لهذه العملية لم يراعِ طبيعة البيئة الأمنية الهشة في الجنوب الليبي وتعدد مسارح العمليات والصراع المحيطة.
إن السماح بتنظيم نشاط مسلح ينطلق من فزان ضد حكومة النيجر أدى عملياً إلى تحويل الحدود الليبية - النيجرية من "خط سيادة " إلى " خط تماس " عسكري، مما ينذر بانهيار شامل لـ الضبط الحدودي وانتقال العمليات العسكرية إلى داخل الأراضي الليبية. وبالتالي أصبح جنوب ليبيا محاط بـ كماشة من مسارح العمليات الاستخباراتية والحرب النشطة، والتي يمكن تلخيصها في الجدول الآتي:
مسرح الصراع الحدودي طبيعة التهديد العسكري والأمني الانعكاس المباشر على الأمن القومي الليبي
النيجر تمرد مسلح ناشئ (جبهة تحرير النيجر) يستهدف البنية التحتية للدولة انتقال الفوضى، وتداخل الجماعات المسلحة، واستخدام فزان كقاعدة انطلاق خلفية
تشاد (تيبستي) نشاط حركات متمردة وفصائل مسلحة معارضة تشادية فقدان السيطرة على المسارات الصحراوية، وتحول الحدود إلى ممرات لتهريب السلاح والمقاتلين
السودان حرب مفتوحة تشمل قوات الدعم السريع (حميدتي) استخدام الجنوب الشرقي الليبي كمنصة لوجستية مفتوحة لنقل المرتزقة والأسلحة والوقود لدعم قوات حميدتي
مالي (أزواد) صراع ذو امتداد جغرافي وديمغرافي واسع قاعدته الخلفية الجنوب الغربي - ليبيا تأثير مباشر على المكون الطارقي في ليبيا (غات)، مما يغذي الاستقطاب العرقي عبر الحدود
وتؤدي هذه التقاطعات إلى فقدان السيطرة التدريجية على إقليم فزان، وانتقال مراكز القرار الأمني والاستخباراتي الفعلية إلى خارج حدود الدولة، وبالتالي تغذية صراعات عرقية كامنة بين المكونات المحلية في الجنوب الليبي (العرب، التبو، الطوارق).
هندسة النفوذ الإماراتي في الجنوب الليبي
لا يمكن قراءة هذا التصعيد بمعزل عن الاستراتيجية الإماراتية العميقة في منطقة الساحل والصحراء؛ حيث تستخدم أبو ظبي الجنوب الليبي كـ نقطة ارتكاز جيوسياسية لـ توجيه الصراعات الإقليمية في منطقة جنوب الصحراء.
• النيجر وثأر القاعدة العسكرية: فقد واجهت الإمارات سابقاً رفضاً قاطعاً من الرئيس النيجري المعزول محمد بازوم لإنشاء قاعدة عسكرية إماراتية شمال النيجر. وهذا الرفض دفع أبو ظبي لدعم القادة العسكريين الذين دبروا الانقلاب ضده في يوليو 2023.
• إدارة خطوط الإمداد الاستراتيجية: تعتمد الإمارات بشكل كلي على سيطرة حلفائها في الشرق الليبي على مناطق الكفرة وفزان وذلك لتأمين جسر جوي وبري يمد قوات الدعم السريع في السودان بالسلاح والعتاد وتوفير معسكرات تدريب آمنة للمرتزقة (بما في ذلك عناصر كولومبية وروسية) بعيداً عن الرصد المباشر.
• توظيف " برو " كـ ورقة ضغط: وبالرغم من العلاقات الإماراتية مع المجلس العسكري في نيامي، إلا أن السماح بإطلاق سراح " برو " (الموالي لـ فرنسا وبازوم) لـ يُستخدم كـ ورقة ضغط تكتيكية لـ مراقبة وضبط تحركات النيجر والجزائر، وأيضا لـ ضمان بقاء إقليم فزان تحت حالة من " السيولة الأمنية " التي تخدم استمرار خطوط الإمداد الإقليمية التابعة لها.
خريطة المستفيدين (إقليمياً ومحلياً)
المستفيدون الإقليميون:
فرنسا: والتي تعد المحرك الفعلي لـ عملية الإفراج. فقد مارس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ضغوطاً مباشرة على خليفة حفتر لعدم تسليم " برو " لـ المجلس العسكري النيجري، مستعيناً بوساطة زعيم التمرد الطوارقي "ريسا أغا بولا". وتسعى فرنسا لإرباك المجلس العسكري النيجري الذي أنهى الوجود الفرنسي في البلاد، وتستخدم جبهة " برو " كـ وكيل مسلح لإضعاف سلطة نيامي وضرب مصالح الصين النفطية هناك.
المستفيدون المحليون:
• حكومة الوحدة الوطنية (في طرابلس): تستفيد حكومة الدبيبة من التصدعات المتزايدة في تحالفات حفتر الجنوبية. فقد أدت هذه التوترات إلى انشقاق قادة ميدانيين مثل " محمد وردقو " وتأسيس ما يسمي " غرفة عمليات تحرير الجنوب "، والتي بدأت بشن هجمات لتقويض سيطرة قوات الشرق، مما يمنح طرابلس فرصة لاختراق المشهد الجنوبي سياسياً وأمنياً بالتنسيق مع النيجر.
• معسكر القيادة العامة: استخدمت قوات حفتر الإفراج عن " برو " لـ ضرب عصفورين بحجر واحد؛ الأول يتمثل في توجيه رسالة تهديد مبطنة لـ حكومة النيجر إثر تقاربها الأخير مع طرابلس، والثاني محاولة احتواء الغضب القبلي المتصاعد لقبائل التبو. فقد شهدت الفترة الماضية إقالة القيادي " حسن الزادمة" (من قبيلة أولاد سليمان)، ما فجر اشتباكات عنيفة في منطقة القطرون وصدّع التحالفات القبلية التي يعتمد عليها حفتر. والإفراج عن " برو " التباوي شكل ترضية تكتيكية مؤقتة لهذه القبائل.
الكلفة الإنسانية وانهيار النسيج الاجتماعي
بعيداً عن الحسابات الجيوسياسية الباردة، يدفع المواطن البسيط في فزان ضريبة دموية ومأساوية جراء هذا العبث. وإن تحويل مناطق مثل القطرون، ومرزق، وأوباري إلى ساحات لتجميع المرتزقة، وتمرير قوافل الأسلحة، واحتضان حركات التمرد العابرة لـ الحدود، قد يؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي الهش الذي كان صمام الأمان التاريخي للجنوب.
ويعيش سكان الإقليم اليوم حالة من الحرمان الممنهج؛ فـ في حين تُهرّب ملايين الدينارات من الوقود المدعوم وسبائك الذهب غير المشروع لـ تمويل الميليشيات والحروب الإقليمية عبر " مثلث سلفادور " والكفرة، تعاني القرى والمدن الجنوبية من انهيار كامل في الخدمات الأساسية وانعدام الأمن. والأخطر من ذلك هو الاستنزاف البشري، حيث يتم عسكرة الشباب المحليين والزج بهم في صراعات بـ الوكالة ذات أبعاد عرقية وقبلية (كما تجلى في صدامات التبو وأولاد سليمان)، مما يحول مسارات التجارة التاريخية إلى ممرات لـ الاتجار بالبشر والموت، ويجعل من سكان الجنوب رهائن في أيدي المرتزقة الأجانب والمصالح الدولية المتقاطعة.
الخلاصة
إن عملية الإفراج عن محمود صالح برو، وتأسيس جبهة مسلحة تنطلق من الأراضي الليبية، شكلت خطر استراتيجي قد تحول الجنوب الليبي بـ موجبها من متأثر بـ الأزمات إلى بؤرة مركزية لإنتاجها.
وفي ظل غياب السيطرة الفعلية لـ الدولة، وتداخل أجندات فرنسا والإمارات مع طموحات الفاعلين المحليين، فإن ليبيا تقف اليوم أمام خطر التمزيق الفعلي لـ سيادتها في فزان، حيث تمحى الحدود تدريجياً، ويُستبدل القانون بسطوة الميليشيات العابرة لـ الحدود، في استنزاف مستمر لمقدرات الوطن وإنسانِه.
الرابط المختصر
استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.
