اعتماد الاتفاقية البحرية بين تركيا وليبيا.. هل تضيع سنوات التقارب بين القاهرة وأنقرة؟
تطورت العلاقات المصرية التركية سريعا وكثيرا منذ تغير سياسة كل دولة عن الأخرى وتفضيل لغة التصالح والمصالح عن لغة الصدام والتصعيدات، وشهدت العلاقات تطبيعا متسارعا ومتطورا منذ حوالي 7 سنوات متتالية خاصة أنه لم تحدث إشكالات كبرى بين الدولتين يمكنها تعكير جو التقارب والتوافق.
حتى الملفات العاقلة بين الدولتين تم التقارب فيها من حيث الرؤى والتعاطي وأحيانا كثيرا حد التطابق، ومن الملفات الهامة العالقة دوما بين البلدين ملف ليبيا بـ تفاصيله المعقدة والمتشابكة، وبذلت الدبلوماسية في البلدين جهودا كبيرة لـ محاولة التنسيق هناك بدلا من التصادم، بل أسهمت كل دولة في التهدئة وإقناع أطراف الصراع الليبي على ضرورة تغليب لغة العقل والتفاوض عن لغة السلاح والتصادم، وضغطت كل دولة على حلفائها في الداخل الليبي، مصر في الشرق وتركيا في الغرب، من أجل تسوية سياسية شاملة والدفع نحو وحدة البلاد وإجراء الانتخابات.
إلا أن اعتماد مجلس النواب الليبي لـ مذكرة تفاهم بحرية وقعتها ليبيا مع تركيا منذ 2019 أحدث إرباكا وزلزلة في العلاقات الثنائية بين مصر وتركيا وكذلك بين مصر وليبيا خاصة الشرق الممثل في قوات القيادة العامة الذي ظل لـ سنوات حليفا استراتيجيا للدولة المصرية.
ورغم أن الرفض المصري لاعتماد الاتفاقية واعتبارها باطلة قانونيا ولا يترتب على قرار البرلمان الليبي أي أثر ليس هو الرفض الوحيد لـ الخطوة، فقد رفضتها اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي، إلا أن الموقف المصري هو الذي تسبب في حالة إزعاج وإرباك لأطراف الاتفاقية خاصة مع تأكيد وزير الخارجية المصري خلال زيارته لتركيا على موقف مصر الرافض بشدة لهذه الاتفاقية وأنها تخالف قانون البحار الدولي.
ومع هذا الرفض وتعيد الدولة المصرية تجاه الاتفاقية وأطرافها سواء عبر القنوات الرسمية أو الإعلام الموالي للدولة، برزت تساؤلات عدة حول تأثير الأمر على العلاقات التركية المصرية وتأثرها بهذه الإشكالية الكبرى التي ربما تكون عكرت الأجواء بين الطرفين منذ اعتمادها من قبل برلمان ليبيا.
وقبل الإجابة عن مدى تأثير هذه الخطوة على علاقات مصر وتركيا لابد أن نؤكد أن الدولتين اتخذتا مواقفا دبلوماسية تشير إلى حرصهما ألا تؤثر الخطوة على طبيعة وعمق العلاقات، لكن في المقابل لابد من البحث عن حلول قبل أن تتجه مصر للجهات الدولية وترفع دعوى رسمية ضد تركيا وليبيا.
" تفهم تركي والاتجاه نحو التفاوض "
الجانب التركي سارع باتخاذ خطوات لاحتواء الأزمة مع مصر متجاوزا الدول الأخرى " اليونان وقبرص "، وعبر عن ذلك بمواقف وتصريحات ووعود، فـ من التصريحات: تأكيد وزير الخارجية التركي أن بلاده تتفهم جيدا الشواغل المصرية تجاه الاتفاقية وأنه يجب مناقشة الأمر عبر التنسيق المشترك بين الدولتين، كما أنه أعلن عن اجتماع ثلاثي يضم: تركيا ومصر وإيطاليا من أجل بحث التحفظات المصرية تجاه الاتفاقية والبحث عن حلول.
ولم يكن وزير الخارجية التركي فقط الذي اتخذ خطوات لاحتواء الأزمة، لكن الأمر تطور إلى وعود من قبل تركيا بالاستعداد لتوقيع اتفاقية بحرية مع مصر في المتوسط، وذلك على لسان وزير الدفاع التركي، يشار غولر الذي أكد أن تركيا مستعدة لتوقيع اتفاقية مع مصر بشأن الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط، وأن هذه الاتفاقية، وفق وجهة النظر التركية، ستمنح القاهرة حوالي 15 ألف كيلومتر مربع إضافية من الولاية القضائية البحرية مقارنة باتفاقية محتملة مع اليونان.
" استجابة مصرية ولكن.. "
الدولة المصرية من جانبها تلقت هذه الرسائل التركية بـ ترحاب وأكدت أنها حافظت على اتصال مباشر مع الجانبين التركي والليبي خلال اليومين الماضيين، كما زار وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي دولة تركيا والتقى بنظيره التركي وكذلك بالرئيس التركي " أردوغان " وأبلغهما رسميا رفض مصر للاتفاقية.
ورغم ترحاب القاهرة بـ خطوات تركيا التي تسعى لاحتواء الأزمة إلى أن مصر كانت واضحة في خطواتها القادمة تجاه الاتفاقية، وأكدت على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير: نادر زكي بأنها تعد حاليا ملفا قانونيا كاملا بشأن مذكرة التفاهم البحرية بين تركيا وليبيا بـ التعاون مع خبراء القانون الدولي، وأن رد مصر لا يقتصر على قبول الوضع أو تصعيده.
وتأكيد الخارجية المصرية بأن هذه الخطوات يكفلها لها القانون الدولي، مشيرة إلى أنه بإمكان الدول المتضررة اتخاذ إجراءات قانونية والمطالبة بوقف أعمال الحفر والاستكشاف، وأن ذلك يشمل أيضا السعي للحصول على أحكام عاجلة لوقف هذه الأعمال إلى حين تسوية النزاع.
الحديث الأخير للخارجية يؤكد أن مصر لازالت تملك أوراق قوة يمكنها تعطيل الاتفاقية التركية مع ليبيا ومنع تنفيذها عمليا عبر التأكيد أن المنطقة تشهد نزاعا قانونيا ولا يمكن التنقيب إلى بعد تسويته، ما يعني أن لغة الود والدبلوماسية التركية لم تكن كافية لاحتواء الأمر.
لذا فمن المتوقع أن تضغط القاهرة على أنقرة من أجل تضمينها في الاتفاقية لتصبح ثلاثية وليست ثنائية أو الوصول لاتفاق بحري يمنح مصر مساحات أكبر في شرق المتوسط أو تعديل بعض بنود ومساحات الاتفاقية مع ليبيا بحيث لا تتقاطع مع المصالح الاقتصادية الخالصة لمصر خاصة بعد توقيعها اتفاقية مع اليونان عام 2020.
وعليه
فإن خطوة اعتماد الاتفاقية التركية الليبية برلمانيا تسبب حقيقة في تعكير اجواء العلاقات بين القاهرة وأنقرة وأعاد إلى الأذهان حالة التنافس بين الدولتين التي بدأت منذ وصول السيسي لرئاسة الدولة وتأثر العلاقات وقتها بسبب المواقف وصراع النفوذ، إلا أنه ليس من المنطقي أن تضحي قوتان إقليميتان مثل مصر وتركيا بما حققتاه عبر السنوات الكثيرة الماضية من تقارب ومصالح وتبادل تجاري وأمني وصل إلى حد تصنيع السلاح بسبب إشكالية يمكن البحث لها عن حلول أو إجراء مفاوضات حولها.
بـ معنى أدق كل السيناريوهات واردة من تصعيد قانوني مصري في المحافل الدولية، البحث عن شركاء جدد في شرق المتوسط حتى لو كانوا في تنافس مع تركيا، الضغط في ملف ليبيا سياسيا وأمنيا، لكن يظل سيناريو الصدام وعودة القطيعة بين الدولتين أمرا غير وارد بالمرة خاصة في ظل حالة الفوضى الإقليمية الأمنية والسياسية واحتياج كل دولة منهما للأخرى.
الرابط المختصر
استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.
