LCSMS
تابعنا

بحث متقدم
الرئيسية
الإنفوجرافيك
إصدارات المركز
LCSMS
تابعنا

بحث متقدم
  • الرئيسية
  • الإنفوجرافيك
  • إصدارات المركز
  • Toggle Theme

المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية

Mecidiyeköy, Istanbul, TurkeyP.O.Box 34387 +905548201002

https://libc.ly/

النشرة الدورية


جميع الحقوق محفوظة © 2024
 اتفاق مكة الدفاعي.. قراءة في الدوافع والتحديات وآفاق التفعيل
تقدير الموقف
26.08.2026
80

اتفاق مكة الدفاعي.. قراءة في الدوافع والتحديات وآفاق التفعيل

مقدمة

في 7 أغسطس 2026، وقعت السعودية وتركيا وباكستان، " اتفاقية مكة للدفاع المشترك "، وذلك خلال قمة استضافتها مكة المكرمة، جمعت ولي العهد السعودي الأمير " محمد بن سلمان " والرئيس التركي " رجب طيب أردوغان " ورئيس الوزراء الباكستاني " شهباز شريف ". وجاء في البيان الختامي لـ القمة أن الاتفاقية تهدف إلى تعزيز الردع المشترك وتطوير التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، وتنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الموقعة يُعد هجوماً على الجميع . وهو ما أكده وزير الخارجية التركي " هاكان فيدان "، بقوله إن الاتفاق يماثل المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي " الناتو " والتي تنص على هذا المبدأ " الدفاع الجماعي ". كما أعلن فيدان عن تشكيل لجنة وزارية وأمانة عامة لتنفيذ الاتفاق على غرار حلف الناتو. وقال الرئيس التركي، أن الاتفاقية لا تستهدف أي دولة، ومفتوحة أمام انضمام دول أخرى .

السياق الإقليمي

تأتي هذه الاتفاقية في ظل التصعيد العسكري الجاري في الشرق الأوسط بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وما تفرضه من معادلات جديدة في الإقليم على مستوى التحالفات والنفوذ وترتيبات الأمن الإقليمي، خاصة في ظل اتساع نطاق المواجهة وتجاوز تداعياتها حدود أطرافها المباشرين، لدول الخليج، بما يعزز الحاجة لدى دول المنطقة لإعادة تقييم تموضعها وتحالفاتها الأمنية.

كما تمثل الاتفاقية أحد المسارات غير التقليدية التي لجأت إليها الدول الثلاث لـ تنويع شراكاتها الأمنية وتعزيز أمنها القومي، ليس بوصفها بديلًا عن المظلة الأمنية الأمريكية، وإنما إطارًا موازيًا ومكملًا لها. ومن ثم، فهي لا تعكس استقلالًا كاملًا عن الولايات المتحدة، كما لا يمكن اختزالها في كونها ترتيبات مفروضة أمريكيًا، بل تعبر على الأرجح عن هامش نسبي متزايد من الحركة والمناورة لدى الأطراف الإقليمية الحليفة لواشنطن، مستفيدة من التراجع النسبي في القوة الأمريكية كـ قطب دولي، دون الخروج عن إطار الشراكة الأمنية معها.

وقد سبق هذه الاتفاقية خطوتان بارزتان: الأولى، الآلية الرباعية المشكلة من دول السعودية وتركيا ومصر وباكستان والتي لم يقتصر دورها على السعي لـ الوساطة والتوصل إلى حل للنزاع الإيراني الأمريكي، وإنما امتد أيضًا إلى تنسيق المواقف الإقليمية والتحرك الجماعي لـ المساهمة في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية من موقع المبادرة والتأثير، بدلًا من البقاء في موقع رد الفعل. الثانية، توقيع السعودية وباكستان اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك في سبتمبر 2025، نصت على أن أي هجوم مسلح خارجي على أي من البلدين يُعد هجومًا عليهما معًا. وفي يناير 2026، كشف مسؤول تركي عن إجراء أنقرة محادثات للانضمام إلى هذا الترتيب الدفاعي. ومن ثم، يمكن النظر إلى اتفاق مكة باعتباره امتدادًا لهذا المسار، أو محاولة لتوسيعه عبر ضم تركيا إليه.

إشكاليات وتحديات

الإشكالية الكبرى التي تواجه هذا الاتفاق تتمثل في اختلاف أولويات الدول الموقعة، ولا سيما فيما يتعلق بتعريف العدو وتحديد مصادر ومهددات الأمن القومي، وهو ما قد يجعل تفعيله عمليًا لاحقًا يواجه تحديات عملياتية. وتزداد هذه الإشكالية في ظل توقيع الاتفاق بينما تشهد المنطقة حربًا أو صراعًا عسكريًا متصاعدًا، وانخراط السعودية فيه بصورة اضطرارية، الأمر الذي يجعل اختبار مدى جدية وفاعلية هذا التحالف واردًا في أي لحظة.

فـ بالنسبة لـ تركيا، برزت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد " طوفان الأقصى " في أكتوبر 2023، باعتبارها أحد أبرز مصادر التهديد في البيئة الإقليمية، في ظل ما تنظر إليه أنقرة بوصفه سعيًا إسرائيليًا لتوسيع النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بما يضمن هيمنتها عليها. كما زاد من حدة التوتر بين الجانبين بروز الدولة السورية في شكلها الجديد، وظهور مؤشرات على احتمال تصادم المصالح التركية والإسرائيلية داخل الساحة السورية. فضلا عن تضارب مصالحهما وسياستهما في شرق المتوسط، حيث تتحالف إسرائيل مع قبرص واليونان في مواجهة تركيا. أما إيران، فرغم كونها منافسًا إقليميًا قويًا لتركيا، فإنها لا تبدو في الوقت الراهن التهديد الأكثر إلحاحًا مقارنةً بإسرائيل. كما تتبنى باكستان مقاربة قريبة نسبيًا، إذ تنظر بقلق إلى تنامي العلاقات بين إسرائيل والهند وما يترتب عليها من تداعيات محتملة على مصالحها الأمنية والإقليمية. في حين تربطها بإيران علاقات جيدة نسبيًا، ويجمعهما، كما هو الحال مع تركيا، حدود مشتركة لأكثر من 500 كلم.

أما السعودية، فرغم عدم تطبيعها العلاقات مع إسرائيل، فإنها لا تتعامل معها باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأكبر، حيث تظل إيران مصدر التهديد الرئيسي في التصور الأمني السعودي، وهو تصور تعزز لديهم بصورة أكبر مع التصعيد العسكري الأخير بين طهران وواشنطن.

وبينما تنقسم الآراء حول المستهدف من هذا الاتفاق، إسرائيل أم إيران، فإن هذا السؤال، وبشكل نظري، لا يتناسب مع طبيعة هذه الاتفاقيات الدفاعية، أي هي استراتيجية رد فعل على قيام أي دولة بالاعتداء على أحد الأطراف، حينها يصبح الطرف المعتدي هو المستهدف. ولكن في المقابل، وبالنظر إلى عامل التوقيت، حيث الحرب الإيرانية الأمريكية والتي طالت دول الخليج، وما ترتب عليها من مواجهات سعودية مع الحوثيين، وبدرجة أقل مع الحشد الشعبي، فإن الربط بين توقيع هذا الاتفاق وتلك المواجهات يكتسب قدرًا من الوجاهة المنطقية. وهو ما يثير إشكالية تفعيل هذه الاتفاقية في ظل هذه المواجهات وغيرها، إذا ما تعرضت السعودية لأي اعتداء، إذ يواجه هذا التفعيل تحديات سياسية وعملياتية. فـ بجانب افتقار هذه الدول إلى رؤية موحدة بشأن مصادر التهديد الرئيسية والعدو المشترك كما تبين. فإن الدوافع أيضا على الأرجح فيها قدر من التباين، وهي التي ستحدد طبيعة استجابة هذا التكتل للتحديات والاختبارات الميدانية.

فتركيا مدفوعة برغبتها في فرض نفسها كـ قوة إقليمية وازنة في الشرق الأوسط ومد نفوذها للبحر الأحمر، مع بناء تكتل سياسي أمني يوزان محاولة إسرائيل الهيمنة على المنطقة، كما يردع إسرائيل عن الإضرار بمصالحها في سوريا وشرق المتوسط، وتعزيز مكانة صناعتها الدفاعية في المنطقة بـ شراكة مع السعودية في الجانب التمويلي.

في حين تستفيد باكستان من ناحية الدعم الاقتصادي، بجانب الدخول في تكتلات تحقق لها قدرا من التوازن في مواجهة الحلف الهندي الإسرائيلي الإماراتي. أما السعودية فـ تستغل هذا الحلف في ردع إيران وحلفائها، وضمان موقع يحقق لها القيادة الإقليمية، وحسم مسألة التنافس الإقليمي مع الإمارات لصالحها.

وفي ظل هذه التباينات في الدوافع ومصادر التهديد، وغياب عدو مشترك، من الصعب ترجيح انخراط تركيا أو باكستان في مواجهة عسكرية مع إيران دفاعًا عن السعودية. لكن هذه القيود لا تعني بالضرورة تفكك هذا التكتل أو فشله بصورة كاملة، بقدر ما قد يحد من فاعليته ويقلص من فرص تفعيله في مستوياته القصوى، المتمثلة في التدخلات العسكرية الخارجية. إذ تظل هناك إمكانية لـ تفعيل بعض مستويات التعاون في حدود معينة، في ظل وجود هدف مشترك يمكن الالتفاف حوله. فـ بشكل عام، يتمتع هذا الحلف بوجود مساحات مشتركة بين أطرافه، يمكن أن تسمح لهم بالتعاون في ردع خصومهم الإقليميين " المختلفين "، دون الحاجة بـ الضرورة إلى الانخراط في تدخلات عسكرية مباشرة.

ويتمثل الهدف المشترك في الاصطفاف الجماعي ضمن تكتل أمني وعسكري، مع رفع مستويات التعاون الشامل بما يعزز قدراتهم الذاتية الاستراتيجية، ويحقق قدرًا من الردع الجماعي في مواجهة التهديدات الأمنية المتباينة التي تواجه كل طرف، ويمنحهم القدرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية والمساهمة في صياغة ترتيبات المنطقة في المرحلة المقبلة بحيث لا يتم العصف بمصالحهم الاستراتيجية، إلى جانب تعزيز التعاون في العديد من الملفات الإقليمية المشتركة في شرق المتوسط والبحر الأحمر والشام، وبناء شراكة متكاملة للارتقاء بالصناعات الدفاعية وتطويرها في وقت قياسي.

وبرغم الربط الآني القوي بين توقيت توقيع هذا الاتفاق والمواجهة السعودية مع إيران وحلفائها في المنطقة، ما يجعل ردع هذه الأطراف، وليس بالضرورة مواجهتها، الأولوية الأكثر إلحاحًا لهذا الاتفاق في المدى المنظور، لذلك قادت السعودية واستضافت عملية التوقيع على الاتفاق، إلا أنه لا يمكن إخراج إسرائيل من المعادلة، فـ الاتفاق لم يحدد خصمًا بعينه أو تهديدًا مشتركًا بصورة رسمية، خاصة مع وجود باكستان وتركيا، الأمر الذي يضفي على الاتفاق أبعادًا تتجاوز الملف الإيراني، باعتبارهما خصمين لإسرائيل ويسعيان، كلٌ وفق مصالحه ودوافعه، إلى الحد من نفوذها الإقليمي وردعها عن تهديد أمنهما القومي. وهو ما قد ينسجم مع رغبة السعودية في احتواء النفوذ الإماراتي التي بدورها حليف استراتيجي لإسرائيل.

لكن مستقبل هذا الاتفاق وقدرته على الاستمرار والتطور تتوقف أيضًا على طبيعة الدوافع التي أفرزته، هل هو مجرد رد فعل تكتيكي على الحرب الجارية حاليًا، بما قد يفقده قيمته وفاعليته بمجرد انتهاء الحرب وتداعياتها الإقليمية، أم أنه يعكس تحولًا استراتيجيًا قائمًا على رؤية مشتركة بين الدول الثلاث لمواجهة التهديدات الإقليمية من خلال بناء منظومة ردع جماعية وتعزيز قدراتها الذاتية، بما يقوي من موقعها في معادلة السياسة الإقليمية؟

الغياب المصري

من أكثر الملفات التي أثارت جدلا على هامش هذه الاتفاقية، هو غياب مصر. وينبع الجدل من انقسام الآراء حول السبب، هل مصر من رفضت الانضمام أم تم استبعادها؟ وتميل هذه الورقة إلى ترجيح السيناريو الأول، فليس من المنطقي استبعاد دولة بحجم مصر، مهما كان حجم الخلافات البينية، برغم ما تعانيه من أزمات اقتصادية، فـ بحكم قوتها البشرية وجيشها الضخم وموقعها الجيواستراتيجي، تعتبر ركيزة أساسية في مثل هذه التحالفات وضمان فاعليتها. بل إن السعودية دأبت خلال السنوات الأخيرة على طرح صيغ مختلفة للتعاون والتحالفات الأمنية الإقليمية، والسعي لضم مصر إليها، إلا أن الأخيرة دائما ما كانت تتحفظ عليها، وكان آخرها التحالف البحري متعدد الجنسيات الذي أُعلن عنه في يوليو 2026 لتأمين الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. ويأتي السؤال التالي، إذا كانت مصر هي من رفضت الانضمام، فما هي الدوافع؟

هناك ثلاث محددات رئيسية: الأول، توقيت هذا الاتفاق، حيث الحرب الإيرانية الأمريكية والتي طالت دول الخليج، وما ترتب عليها من مواجهات سعودية مع الحوثيين، وبدرجة أقل مع الحشد الشعبي.

إن الانضمام المصري لهذه الاتفاقية مع إمكانية تفعيلها من منظور دفاعي، في ظل هذه المعطيات، يظل غير مرجح. فما زالت إسرائيل، وليست إيران، تمثل العدو الاستراتيجي في العقيدة العسكرية المصرية، حتى وإن أوحت بعض المؤشرات الآنية أو التطورات الظرفية بغير ذلك، إذ لا تعكس هذه المؤشرات تحولًا استراتيجيًا حقيقيًا. كما أن المواجهة مع إيران، والأخطر مع الحوثيين في البحر الأحمر واليمن، أمر ترفضه مصر تماما؛ إذ تحاول التعامل مع الحوثي بـ أدوات دبلوماسية سواء لضمان عدم إضراره بـ مصالح مصر في باب المندب وقناة السويس، أو لأن خريطة الصراع في القرن الأفريقي، في ظل التحالف المتنامي بين إسرائيل والإمارات وإثيوبيا، تجعل من مصر والحوثيين ومعها إيران طرفين تتقاطع مصالحهما نسبيا في مواجهة بعض تحركات هذا التحالف. وهذا الملف شديد الخطورة؛ إذ هناك مؤشرات على احتمالية انفجار الأوضاع في القرن الأفريقي في أي لحظة، خاصة مع عودة الاشتباكات بين الحكومة الإثيوبية ومجموعة التجراي.

المحدد الثاني، مضمون الاتفاق، إذ ترفض مصر الانخراط في اتفاقيات تتضمن التزامات دفاعية مشتركة، بما قد يجرها إلى صراعات عسكرية خارجية لا تتوافق مع أولوياتها الأمنية ومصالحها الاستراتيجية. فما زالت التجربة اليمنية في عهد عبد الناصر تلقي بظلالها على تعاطي المؤسسة العسكرية المصرية في أي تفعيل للقدرات العسكرية في الخارج. حيث إن التخوف المصري من الانخراط في التزامات دفاعية خارجية يدعمه طبيعة اقتصادها المتأزم، فلا تمتلك مصر اقتصادًا قويًا كـ إسرائيل، ولا اقتصاد أزمات كـ إيران. وبالتالي يمكن لعدة استهدافات، كما حدثت لسفن التغويز في دمياط، أن تسبب شللا كبيرا لـ الاقتصاد المصري، والذي لا يمتلك مقومات للصمود الطويل، كإيران.

المحدد الثالث، وهي رؤية تقول بأن مصر ترتبط بـ علاقات وثيقة ومصالح متشعبة مع أطراف إقليمية عدة، من بينها الإمارات واليونان وقبرص، وهي أطراف يمكن أن تقرأ الاتفاقية على أنها موجهة ضدها. خاصة في ظل التنافس القائم بين السعودية والإمارات في بعض الملفات الإقليمية، والصراع المستمر بين تركيا من جهة واليونان وقبرص من جهة أخرى في شرق المتوسط. وهي أطراف جميعها ترتبط بعلاقات جيدة ومصالح استراتيجية مع مصر، وهو ما يدفعها إلى التحفظ تجاه أي ترتيبات قد تُخل بالتوازن في علاقاتها مع هذه الأطراف، عبر الانحياز إلى طرف على حساب آخر.

من المرجح أن تتريث مصر حتى تتوقف الحرب. وفي جميع الأحوال، فإن أي انضمام مصري محتمل إلى الاتفاقية، سواء قبل انتهاء الحرب الحالية أو بعدها، سيكون - بحسب تقديرات أحد الخبراء العسكريين – ضمن صيغة تقتصر على الحد الأدنى من التعاون والتنسيق الأمني والدفاعي والاستخباراتي، دون أن ترتب التزامات بالتدخل العسكري الخارجي.

خلاصة

تُعد هذه الاتفاقية اتفاقية دفاعية بـ طبيعتها، ومن ثم فهي لا تستهدف مسبقًا مواجهة طرف بعينه، وإنما تُفعل في حال تعرض أحد أطرافها لاعتداء. وبرغم الارتباط الوثيق بين توقيت توقيع الاتفاقية والحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها الإقليمية، بما يجعل ردع إيران وحلفائها في المنطقة، بالأخص الحوثيين، الأولوية الأكثر إلحاحًا لهذا الاتفاق في المدى المنظور، إلا أن ذلك لا يعني حصر وظائفه في هذا الإطار. فـ الاتفاق لم يحدد خصمًا بعينه أو مصدرًا محددًا لـ التهديد، الأمر الذي يبقي إسرائيل ضمن حسابات هذا التكتل، خاصة في ظل وجود خصمين سياسيين لتل أبيب في الاتفاقية، تركيا وباكستان.

وفيما يتعلق بإمكانية تفعيل الاتفاقية في حال تعرض أي طرف للاعتداء، فإنها تواجه تحديات سياسية وعملياتية ترتبط بـ تباين أولويات الأطراف ودوافعها وإدراكها لـ مصادر التهديد، فضلًا عن غياب عدو مشترك.

غير أن ذلك لا يعني فشل الاتفاق، بقدر ما يرجح تفعيله في حدوده الدنيا عبر التنسيق الأمني والاستخباراتي وتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة، أو التعامل معه مرحليا كـ أداة لـ الردع الجماعي والتأثير في موازين القوى الإقليمية، دون أن يصل إلى مستوى التدخلات العسكرية الخارجية في المدى المنظور، مع إمكانية توسيع نطاق هذا التعاون تدريجيًا وصولا لأقصى مستوياته، إذا ما توافرت ظروف إقليمية أكثر ملاءمة.

ويظل غياب مصر أحد أبرز الملفات التي أثارها الاتفاق، والذي يرجح أن يكون نتيجة رغبة مصرية، مدفوعةً بثلاث محددات: أولهما، عامل التوقيت في ظل الحرب الجارية، وثانيهما، طبيعة الاتفاق وما يفرضه من التزامات دفاعية خارجية، وثالثهما الرغبة في المحافظ على توازن في علاقاتها الإقليمية. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد انضمام القاهرة مستقبلًا، خاصة إذا أُعيدت صياغة بعض ترتيبات الاتفاق بما يتوافق مع التحفظات المصرية، ولا سيما في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الحالية وتراجع تداعياتها الإقليمية.

توصيات

تقدم الورقة عددًا من التوصيات، على النحو التالي:

• في ظل التباين القائم بين تركيا والسعودية وباكستان في الأولويات الاستراتيجية ومصادر التهديد وغياب عدو مشترك، يمكن أن يقتصر التعاون والتضامن الدفاعي المشترك في مستويات دنيا، على الأقل في المرحلة الحالية، بحيث يتم توظيف أدوات دفاعية بالأساس. فكما أن أهداف الاتفاق ذات طبيعة دفاعية، فإن آليات تنفيذه وأدواته يمكن أن تظل دفاعية أيضا هي الأخرى.

وفي هذا السياق، يقترح أحد الخبراء العسكريين بأن يكون تفعيل الاتفاق في المرحلة الحالية، عبر تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق الأمني وربط أو تكامل بعض منظومات الرادار والمراقبة والدفاع الجوي ورفع مستوى التنسيق الدفاعي وتعزيز الردع الجماعي، بدلا من أن يكون نظامًا للرد العسكري التلقائي. مع جعل الخيار الأخير غير ملزم، حسب رغبة كل دولة. وهذا يمنع انجرار أي من أطراف الحلف إلى مواجهات لا تتوافق مع أولوياتها الأمنية أو مصالحها الاستراتيجية. كما أنه يفيد استدامة الاتفاق لفترات أطول، ويزيد من حجم الثقة بين أطرافه والثقة في فاعلية الاتفاق نفسه. مع وضع خطة استراتيجية تستهدف معالجة الإشكاليات التي تحول دون تفعيل الاتفاق بشكل كامل.

• إن أي توجه لتوسيع الاتفاقية وضم أطراف جديدة ينبغي ألا يكون على حساب الرؤية المشتركة التي تجمع الدول الأطراف. فـ بالرغم من التباينات القائمة بين تركيا والسعودية وباكستان، إلا أن هناك حدًا أدنى من المصالح والأهداف المشتركة التي وفرت أساسًا لتوقيع هذه الاتفاقية. فـ التوسع غير المنضبط، وضم أطراف لا تشترك مع هذه الرؤية أو المشتركات، قد يفضي إلى إضعاف فاعلية الاتفاق وتحويله إلى إطار شكلي لا يختلف كثيرًا عن العديد من الأطر والتنظيمات الإقليمية التي عانت طوال العقود الماضية من ضعف التأثير وغياب القدرة على الفعل. ومن ثم، فإن الحفاظ على فاعلية هذا التكتل يقتضي وجود معايير وبنود أساسية تمثل الحد الأدنى الذي يجب الموافقة عليه كشرط للانضمام.

أخيرا، برغم ما تمثله إيران في نظر بعض الأطراف الإقليمية من تهديد لأمنها القومي، إلا أن الأمر لا يخرج من نطاق الصراع السياسي المؤقت، أما إسرائيل فهي العدو الاستراتيجي الدائم لهذه المنطقة، بـ حكم أن الصراع معها صراع وجود وليس نفوذ أو حدود. كما أنها المهدد الحقيقي لـ الأمن القومي الإقليمي، لكونها طرفًا دخيلًا على المنطقة تتعامل مع دولها من منظور صراع صفري، على مراحل مختلفة، فـ الأمس غزة واليوم إيران وغدا أطراف أخرى، لا صديق دائم لها.

وفي ظل هذه المعطيات، فإن هناك فرصة يمكن أن تساعد على توقيع اتفاقية دفاع مشترك حقيقية دائمة، تقوم على أساس المواجهة مع إسرائيل. غير أن بلورة توافق إقليمي واسع حوله هذا الهدف تظل مرتبطة بوقف الحرب الحالية، والشروع في مسار مستقل، بـ معالجة الأزمات البنيوية العميقة في العلاقات الخليجية الإيرانية، ربما بوساطة تركية مصرية باكستانية، بعيدًا عن الحسابات الأمريكية. وإلا ستظل دول المنطقة موزعةً جهودها تجاه التهديدين الإيراني والإسرائيلي، بما يبدد من قدرتها وإمكانية توحدها.

الرابط المختصر

استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.

https://lcsms.info/?p=1208054
|تقارير وتقديرات|تقدير الموقف
  • تقدير الموقف
  • أوراق تحليلية
  • أبعاد الموقف
  • الإيجاز
  • قراءة تفصيلية
  • حصاد الشهر
  • أوراق بحثية
  • ترجمات

مقالات ذات صلة

تداعيات استقالة ناجي عيسى.. الأبعاد والمسارات
تداعيات استقالة ناجي عيسى.. الأبعاد والمسارات
اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا.. اختراق أمني أم عودة لاستهداف قيادات الشرق؟
اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا.. اختراق أمني أم عودة لاستهداف قيادات الشرق؟
المبادرة الأمريكية لإعادة توحيد السلطة في ليبيا.. الدوافع، التحديات، والسيناريوهات المحتملة
المبادرة الأمريكية لإعادة توحيد السلطة في ليبيا.. الدوافع، التحديات، والسيناريوهات المحتملة
الممر الروسي من ليبيا إلى مالي حدود القوة العسكرية وعودة الجزائر إلى معادلة الساحل
الممر الروسي من ليبيا إلى مالي حدود القوة العسكرية وعودة الجزائر إلى معادلة الساحل
التحولات البنيوية للنفوذ الروسي في ليبيا (2025 – 2026).. وتداعياتها الجيوسياسية على منطقة الساحل
التحولات البنيوية للنفوذ الروسي في ليبيا (2025 – 2026).. وتداعياتها الجيوسياسية على منطقة الساحل
تقدير موقف استراتيجي: ديناميات الفراغ المزدوج ومستقبل الدولة الليبية (2026 - 2027) تداعيات غياب القيادة المركزية في طرابلس وبنغازي في ظل التحولات الجيوسياسية الإقليمية
تقدير موقف استراتيجي: ديناميات الفراغ المزدوج ومستقبل الدولة الليبية (2026 - 2027) تداعيات غياب القيادة المركزية في طرابلس وبنغازي في ظل التحولات الجيوسياسية الإقليمية
تقدير موقف استراتيجي يصدر شهريا عن المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية.. آفاق الاستقرار والمهددات الجيو استراتيجية في الدولة الليبية.. يناير 2026
تقدير موقف استراتيجي يصدر شهريا عن المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية.. آفاق الاستقرار والمهددات الجيو استراتيجية في الدولة الليبية.. يناير 2026
تقدير موقف استراتيجي يصدر شهريا عن المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية.. التحولات الجيوستراتيجية والجيو أمنية والجيو اقتصادية في الدولة الليبية.. ديسمبر 2025
تقدير موقف استراتيجي يصدر شهريا عن المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية.. التحولات الجيوستراتيجية والجيو أمنية والجيو اقتصادية في الدولة الليبية.. ديسمبر 2025

مقالات ذات صلة

تداعيات استقالة ناجي عيسى.. الأبعاد والمسارات
تداعيات استقالة ناجي عيسى.. الأبعاد والمسارات
اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا.. اختراق أمني أم عودة لاستهداف قيادات الشرق؟
اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا.. اختراق أمني أم عودة لاستهداف قيادات الشرق؟
المبادرة الأمريكية لإعادة توحيد السلطة في ليبيا.. الدوافع، التحديات، والسيناريوهات المحتملة
المبادرة الأمريكية لإعادة توحيد السلطة في ليبيا.. الدوافع، التحديات، والسيناريوهات المحتملة
الممر الروسي من ليبيا إلى مالي حدود القوة العسكرية وعودة الجزائر إلى معادلة الساحل
الممر الروسي من ليبيا إلى مالي حدود القوة العسكرية وعودة الجزائر إلى معادلة الساحل
التحولات البنيوية للنفوذ الروسي في ليبيا (2025 – 2026).. وتداعياتها الجيوسياسية على منطقة الساحل
التحولات البنيوية للنفوذ الروسي في ليبيا (2025 – 2026).. وتداعياتها الجيوسياسية على منطقة الساحل
تقدير موقف استراتيجي: ديناميات الفراغ المزدوج ومستقبل الدولة الليبية (2026 - 2027) تداعيات غياب القيادة المركزية في طرابلس وبنغازي في ظل التحولات الجيوسياسية الإقليمية
تقدير موقف استراتيجي: ديناميات الفراغ المزدوج ومستقبل الدولة الليبية (2026 - 2027) تداعيات غياب القيادة المركزية في طرابلس وبنغازي في ظل التحولات الجيوسياسية الإقليمية
تقدير موقف استراتيجي يصدر شهريا عن المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية.. آفاق الاستقرار والمهددات الجيو استراتيجية في الدولة الليبية.. يناير 2026
تقدير موقف استراتيجي يصدر شهريا عن المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية.. آفاق الاستقرار والمهددات الجيو استراتيجية في الدولة الليبية.. يناير 2026
تقدير موقف استراتيجي يصدر شهريا عن المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية.. التحولات الجيوستراتيجية والجيو أمنية والجيو اقتصادية في الدولة الليبية.. ديسمبر 2025
تقدير موقف استراتيجي يصدر شهريا عن المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية.. التحولات الجيوستراتيجية والجيو أمنية والجيو اقتصادية في الدولة الليبية.. ديسمبر 2025