دور دبلوماسية المخابرات في إدارة الأزمة الليبية.. عوامل الصعود ومسارات التأثير وحدود الفاعلية
مقدمة
شهدت إدارة الأزمات الدولية خلال العقود الأخيرة تحولًا في طبيعة الأدوات والفاعلين المشاركين فيها، مع تزايد تعقيد النزاعات وتشابك أبعادها السياسية والأمنية والعسكرية. وانعكس ذلك على أدوار أجهزة الاستخبارات التي اتسعت من جمع المعلومات وتحليلها ودعم عملية صنع القرار إلى أداء وظائف أكثر اتصالًا بالسياسة الخارجية، تشمل فتح قنوات الاتصال، واستكشاف مواقف الأطراف، ونقل الرسائل، والوساطة في الملفات الحساسة، وتهيئة بيئة التفاوض. وقد برز في هذا السياق مفهوم " دبلوماسية المخابرات " بوصفه نمطًا من أنماط العمل الخارجي يقوم على توظيف الفاعلين والعلاقات الاستخباراتية في تسهيل الاتصالات الدبلوماسية وخدمة أهداف السياسة الخارجية.
وتكتسب دبلوماسية المخابرات أهمية خاصة في الأزمات الممتدة التي تتعدد فيها مراكز القوة وتتداخل فيها التسوية السياسية مع الترتيبات الأمنية والعسكرية. وتمثل الأزمة الليبية حالة دالة على ذلك، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، وتعدد القوى العسكرية والأمنية، وتشابك المصالح المحلية والإقليمية والدولية، فضلًا عن ارتباطها بملفات أمن الحدود والهجرة والطاقة وأمن البحر المتوسط والساحل، إلى جانب توحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف للانتخابات. وقد أسهم استمرار الانقسام وتعثر التسوية في إبقاء الملف الليبي مفتوحًا أمام مسارات متعددة لـ الحوار والوساطة، بـ التوازي مع الجهود الأممية لدفع العملية السياسية وتوحيد المؤسسات.
وفي هذا السياق، برزت القنوات الاستخباراتية خلال الأشهر الأخيرة بصورة أكثر وضوحًا، من خلال لقاءات جمعت قيادات من شرق ليبيا وغربها بـ رؤساء أجهزة استخبارات مصر وتركيا وإيطاليا، وتناولت توحيد المؤسسات، والمسار السياسي، والترتيبات الأمنية، والعسكرية. وتزامن ذلك مع تطور التنسيق المصري – التركي، وتجدد الانخراط الأميركي، واستمرار الحضور الروسي.
وفي ضوء ذلك، تنطلق الدراسة من سؤال رئيسي مفاده:
إلى أي مدى أسهم صعود دبلوماسية المخابرات في إعادة تشكيل آليات إدارة الأزمة الليبية، وما العوامل المفسرة لهذا الصعود ومسارات تأثيره وحدوده؟
أولًا: دبلوماسية المخابرات: المفهوم والوظائف
على الرغم من اتساع استخدام مصطلح " دبلوماسية المخابرات " خلال السنوات الأخيرة، لا يوجد تعريف جامع ومستقر للمفهوم في الأدبيات أو الممارسات الحكومية. ويشير بريت هولمجرين، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الاستخبارات والبحوث، إلى تعدد مقاربات تعريفه؛ إذ يحصره بعضها في " تبادل المعلومات بين أجهزة الاستخبارات، " بينما يربطه بعضها الآخر " بـ استخدام المعلومات الاستخباراتية لدعم الدبلوماسية العامة والتأثير في مواقف الشركاء والخصوم. وتتبنى وزارة الخارجية الأميركية مفهومًا أوسع يقوم على " استخدام الاستخبارات لدعم النشاط الدبلوماسي وخدمة أهداف السياسة الخارجية، من خلال إعلام الشركاء، وبناء التحالفات، وتسهيل التعاون، وتقريب المواقف والتحقق من الالتزامات".
وقد اكتسب هذا الاستخدام أهمية أكبر مع اتساع الصلة بين الاستخبارات والسياسة الخارجية، حيث يخلص فرانك ليث جونز، في دراسة صادرة عن كلية الحرب التابعة للجيش الأميركي في يوليو 2026، إلى أن الاستخبارات أصبحت إحدى أدوات الدولة التي تعمل بـ التكامل مع الأدوات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية، وأن الحرب الروسية–الأوكرانية أبرزت قدرتها على خدمة أهداف سياسية مباشرة عبر " التحذير الاستراتيجي، وبناء التوافق بين الحلفاء، وتوجيه الرسائل إلى الخصوم، ودعم التحرك الدبلوماسي ". كما يشير إلى استخدام إدارة جو بايدن مصطلح " دبلوماسية المخابرات " لوصف توظيف المعلومات الاستخباراتية لدعم الدبلوماسية وأهداف السياسة الخارجية.
وفي ضوء ذلك، تُعرّف الدراسة دبلوماسية المخابرات إجرائيًا بأنها " توظيف أجهزة الاستخبارات وقياداتها وقنوات اتصالها ومخرجاتها المعلوماتية في خدمة أهداف السياسة الخارجية، من خلال استكشاف المواقف، ونقل الرسائل، وبناء التفاهمات والضمانات، ودعم التفاوض، وربط الترتيبات السياسية باعتباراتها الأمنية ". ويشمل ذلك استخدام المسؤول الاستخباراتي قناةً لـ الاتصال، إلى جانب توظيف المعلومات التي ينتجها الجهاز لدعم التحرك السياسي والدبلوماسي. ولا ترتبط هذه الدبلوماسية بالسرية بالضرورة؛ فقد تتم بعض اتصالاتها بعيدًا عن المجال العام، بينما تأتي أخرى في صورة لقاءات معلنة.
ويجد هذا التداخل أساسًا في طبيعة أدوات الدولة الحديثة؛ إذ توضح دراسة سعد محمد الرميحي لنموذج " دايم" أن الدبلوماسية والمعلومات والقوة العسكرية والاقتصاد، تعمل ضمن منظومة مترابطة لخدمة أهداف الأمن القومي، وأن الاستخبارات تتقاطع معها عبر جمع المعلومات والتحليل ودعم القرار. كما توجد مساحة مشتركة بين العملين الدبلوماسي والاستخباراتي، في التعامل مع الملفات الخارجية، بما يجعل التنسيق المؤسسي بينهما مهمًا في إدارة القضايا المعقدة.
• العلاقة بالأنماط الدبلوماسية المتداخلة
ترتبط دبلوماسية المخابرات بـ الدبلوماسية التقليدية، مع اختلاف طبيعتهما المؤسسية وأدواتهما؛ فـ الدبلوماسية الرسمية تعتمد على وزارات الخارجية والبعثات والممثلين المخولين بإدارة العلاقات والتفاوض باسم الدولة، بينما تستفيد دبلوماسية المخابرات مما تملكه الأجهزة من معلومات وعلاقات واتصال مباشر بـ فاعلين سياسيين وأمنيين وعسكريين. ويجعل ذلك استخدامها ملائمًا في الملفات الحساسة التي تتطلب استكشاف المواقف أو التعامل مع أطراف متعددة قبل الانتقال إلى التفاوض الرسمي. ولا يعني هذا التداخل انتقال إدارة السياسة الخارجية إلى الأجهزة الاستخباراتية، إذ تبقى أداة ضمن إطار تحدده القيادة السياسية وأهداف الدولة.
كما تتقاطع دبلوماسية المخابرات مع دبلوماسية القنوات الخلفية " Back-channel Diplomacy" من دون أن تكون مرادفًا لها؛ فـ القناة الخلفية تصف أسلوبًا للاتصال أو التفاوض بعيدًا عن المسار الرسمي أو التدقيق العلني، بصرف النظر عمن يديرها، سواء كان دبلوماسيًا، أو مستشارًا، أو وسيطًا، أو مسؤولًا استخباراتيًا.
وتشير أدبيات برنامج التفاوض في كلية الحقوق بجامعة هارفارد إلى أن هذه القنوات تتيح اختبار استعداد الطرف الآخر للتفاوض، واستكشاف التنازلات الممكنة، وتجاوز بعض الشروط المسبقة، والحد من الضغوط السياسية على عملية التفاوض.
وعليه، تصف القناة الخلفية أسلوب الاتصال، بينما تحدد دبلوماسية المخابرات طبيعة الأداة والفاعل والوظيفة؛ فقد يدير جهاز استخباراتي اتصالًا خلفيًا سريًا، وقد يمارس وظيفة دبلوماسية عبر لقاء معلن. ويكتسب هذا التفريق أهمية في الحالة الليبية، حيث تعلن بعض اللقاءات بين رؤساء أجهزة الاستخبارات والقيادات السياسية والعسكرية، بينما تبقى اتصالات أخرى أو أجزاء من مضمونها خارج المجال العام.
وكذلك تختلف دبلوماسية المخابرات عن التعاون الاستخباراتي التقليدي؛ فتبادل المعلومات بشأن الإرهاب أو الجريمة المنظمة أو المخاطر الأمنية يظل تعاونًا بين الأجهزة، بينما تبدأ الوظيفة الدبلوماسية عندما تُستخدم المعلومات أو العلاقات القائمة لتحقيق غرض سياسي، مثل التأثير في موقف شريك، أو نقل رسالة إلى خصم، أو تقريب مواقف أطراف متنازعة. وقد ميّز هولمجرين بين تداول المعلومات لأغراض التعاون وبين توظيفها دبلوماسيًا لتشكيل التصورات أو تقريب المواقف أو تغيير السياسات.
• الوظائف والضوابط القانونية والمؤسسية
يمكن تحديد الوظائف الرئيسية لدبلوماسية المخابرات في أربع مجالات مترابطة: أولها استكشاف المواقف وتهيئة التفاوض عبر اختبار الأفكار الأولية وتحديد الخطوط الحمراء ومدى استعداد الأطراف لقبول ترتيبات معينة قبل طرحها رسميًا. وثانيها نقل الرسائل وبناء الثقة من خلال الحفاظ على الاتصال خلال فترات التوتر، وتوضيح المقاصد، وتقليل احتمالات سوء التقدير.
وتتمثل الوظيفة الثالثة في بناء التفاهمات والضمانات وربط السياسي بالأمني، خاصة في النزاعات التي يرتبط فيها تنفيذ الاتفاقات السياسية بترتيبات أمنية وعسكرية، بما يسمح للجهاز بالجمع بين تقدير المواقف السياسية وموازين القوة وقدرة الأطراف على تنفيذ التزاماتها. أما الوظيفة الرابعة فـ هي دعم المسار السياسي والدبلوماسي الرسمي بتهيئة أرضية للتفاوض أو مواصلة الاتصالات الاستخباراتية بالتوازي معه عند معالجة الملفات الأمنية. وقد ظهرت هذه العلاقة في الحرب الأوكرانية، حيث استُخدمت المعلومات الاستخباراتية في تحذير الشركاء، وحشد مواقف الحلفاء، والاتصال بالقيادة الروسية بالتوازي مع التحرك الدبلوماسي الأميركي.
وتخضع ممارسة هذه الوظائف للأطر القانونية والمؤسسية المنظمة لعمل كل جهاز وللتكليف الصادر عن القيادة السياسية. ولا يوجد نموذج موحد يحدد نطاق التحرك الخارجي لأجهزة الاستخبارات، إذ تختلف الصلاحيات وفق تشريعات كل دولة وموقع الجهاز داخل منظومة صنع القرار. وتظهر بعض القوانين مساحة واسعة للاتصال الخارجي؛ فـ القانون المصري رقم 100 لسنة 1971 يختص المخابرات العامة بـ المحافظة على سلامة الدولة وأمنها، ويجيز إسناد أعمال إضافية إليها من رئيس الجمهورية أو مجلس الدفاع الوطني متى اتصلت بسلامة البلاد. كما يمنح القانون التركي رقم 2937 جهاز الاستخبارات الوطنية سلطة إقامة علاقات مباشرة مع المؤسسات والمنظمات والتشكيلات والأشخاص، المحليين والأجانب، أثناء أداء مهامه. ويضع القانون الليبي رقم 7 لسنة 2012 ضمن اختصاصات جهاز المخابرات تأمين المصالح الليبية في الخارج، ورصد التحالفات العسكرية والأمنية الإقليمية، ومتابعة المؤتمرات الدولية والوفود الرسمية.
وبناءً على ذلك، يمكن أن يندرج لقاء رئيس جهاز استخبارات بـ مسؤول سياسي أو عسكري أجنبي ضمن نطاق عمله متى ارتبط باختصاصات الجهاز أو بتكليف من السلطة السياسية. ولا تتحدد مشروعية الاتصال بصفة الطرف المقابل وحدها، وإنما بطبيعة المهمة والأساس القانوني الذي تستند إليه، مع بقاء القرارات السياسية النهائية والاتفاقات الملزمة من اختصاص المؤسسات المخولة بذلك.
وتوضح التجربة الأميركية جانبًا آخر من هذه الضوابط؛ إذ يرتبط استخدام الاستخبارات دبلوماسيًا بوجود هدف سياسي محدد، والتكامل مع أدوات الدولة الأخرى، والاعتماد على معلومات موثوقة، والموازنة بين العائد السياسي والمخاطر التي قد تمس المصادر والأساليب والمصداقية. وفي هذا الإطار، يوضح " جونز " أن مشاركة المعلومات الاستخباراتية مع الشركاء الأجانب تستند إلى سلطات قانونية وسياسات وتوجيهات مؤسسية، وأن اتساع هذا الاستخدام خلال الحرب الأوكرانية أثار نقاشًا حول نطاق المشاركة ومخاطر التصعيد والمسؤولية القانونية.
وعليه، تعمل دبلوماسية المخابرات بوصفها أداة مكملة للسياسة الخارجية، وتزداد أهميتها في الأزمات التي تتعدد فيها مراكز القوة وتتداخل فيها الحسابات السياسية مع المتطلبات الأمنية والعسكرية، بما يوفر مدخلًا لتفسير تصاعد حضورها في الحالة الليبية.
ثانيًا: عوامل صعود دبلوماسية المخابرات في الحالة الليبية
يشهد الملف الليبي خلال الأشهر الأخيرة نشاطًا ملحوظًا وأكثر علنية لـ رؤساء أجهزة الاستخبارات الإقليمية، تميز بتقارب توقيت التحركات واتساعها لتشمل مراكز القوة في شرق البلاد وغربها. فـ في 21 يونيو 2026، زار رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد طرابلس في أول زيارة له منذ توليه منصبه، والتقى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وعددًا من المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين، وبحث معهم تطورات المسار السياسي وتوحيد المؤسسات ودعم الاستقرار. وتزامن ذلك مع اتصالات مصرية بالشرق؛ إذ التقى رشاد في القاهرة صدام حفتر بحضور مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، في إطار مشاورات تناولت تقريب مواقف الأطراف ودفع المسار السياسي.
وفي 23 يونيو، تحرك رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركي إبراهيم قالن بين قطبي الانقسام؛ فـ التقى في بنغازي صدام حفتر وبحث معه توحيد الإدارات والقوات العسكرية في الشرق والغرب، قبل أن ينتقل إلى طرابلس ويلتقي محمد المنفي وعبد الحميد الدبيبة ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي ووزير الداخلية عماد الطرابلسي، في مباحثات تناولت المسارات السياسية والأمنية والعسكرية. وفي اليوم نفسه، كان رئيس وكالة الاستخبارات والأمن الخارجي الإيطالية جيوفاني كارافيلي في طرابلس، حيث بحث مع الدبيبة التطورات السياسية والأمنية وتوحيد المؤسسات ودعم العملية السياسية.
وبذلك شهدت أيام قليلة تحركات متزامنة لرؤساء أجهزة الاستخبارات المصرية والتركية والإيطالية حول الملف الليبي، بـ التوازي مع المبادرة الأميركية التي يقودها بولس لإعادة تحريك ملف توحيد السلطة والمؤسسات.
ولم يقتصر هذا النشاط على هذا فقط؛ فـ في 29 يونيو بحث قالن ورشاد في أنقرة توحيد المؤسسات والقوات الليبية، ثم التقى رشاد بوكيل وزارة الدفاع الليبية في حكومة الدبيبة، عبد السلام الزوبي، في 16 يوليو بمدينة العلمين، وشارك في لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بالدبيبة في 30 يوليو، ثم في لقاء السيسي بـ خليفة حفتر في 19 أغسطس، قبل أن يجتمع بصدام حفتر في العلمين في 22 أغسطس لبحث دفع العملية السياسية والانتخابات.
ويشير هذا الزخم إلى أن تصاعد حضور القنوات الاستخباراتية في الملف الليبي ويرتبط بـ جملة من العوامل السياسية والأمنية والإقليمية والدولية التي هيأت بيئة أكثر ملاءمة لاتساع هذا الدور. ويمكن تحديد أبرز هذه العوامل فيما يلي:
1- استمرار الانقسام المؤسسي وتعدد مراكز القوة
يمثل الانقسام المؤسسي أحد العوامل الأساسية المفسرة لاتساع دور القنوات الاستخباراتية، حيث لا تزال البيئة السياسية الليبية الراهنة قائمة على توزيع السلطة والنفوذ بين مراكز متعددة، إذ تمارس حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة مهامها من طرابلس، فيما تستمر الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في الشرق، ويتوازى الانقسام التنفيذي مع استمرار دور مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ونفوذ القيادة العامة بقيادة خليفة حفتر في الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب، وتعدد القوى والتشكيلات الأمنية والمسلحة في الغرب.
وتنتج عن هذه البنية معضلة تفاوضية تتمثل في صعوبة إدارة الأزمة من خلال قناة رسمية واحدة أو طرف مؤسسي محدد، ومن هنا تكتسب القنوات الاستخباراتية أهمية لمرونتها في التواصل مع مستويات مختلفة من السلطة والنفوذ، وقدرتها على التعامل مع الفاعلين السياسيين والعسكريين والأمنيين في آن واحد. ومن ثم، فإن اتساع استخدامها يعكس في جانب منه تكيفًا مع بنية القوة الليبية المجزأة أكثر من كونه تحولًا في أدوات السياسة الخارجية وحدها.
2- تداخل التسوية السياسية بالترتيبات الأمنية والعسكرية
تتسم الأزمة الليبية بـ صعوبة فصل التسوية السياسية عن البيئة الأمنية والعسكرية المحيطة بها؛ إذ ترتبط قضايا الانتخابات وتوحيد السلطة والمؤسسات بقدرة الأطراف على توفير ترتيبات أمنية تضمن تنفيذها، في ظل تعدد القوى المسلحة واستمرار الانقسام داخل المؤسسات العسكرية والأمنية.
وتخلق هذه العلاقة فجوة بين الاتفاق السياسي وإمكان تنفيذه ميدانيًا؛ فقد تتوافر صيغة سياسية مقبولة نظريًا، بينما يظل تنفيذها مرهونًا بـ مواقف القوى التي تمتلك أدوات القوة والسيطرة على الأرض. ولهذا تكتسب دبلوماسية المخابرات وزنًا إضافيًا، لأنها تتحرك في المساحة الفاصلة بين السياسي والأمني، وتتيح اختبار قابلية التفاهمات للتنفيذ وتقدير مواقف القوى العسكرية وبناء الضمانات المطلوبة.
3- محدودية قدرة المسار الأممي على الحسم
أسهم امتداد المسار الأممي وصعوبة تحويل مبادراته إلى تسوية نهائية في توسيع المجال أمام قنوات موازية لإدارة التفاوض؛ فقد تعاقبت على قيادة الوساطة الأممية خلال السنوات الأخيرة شخصيات عدة، من غسان سلامة وستيفاني وليامز إلى يان كوبيش وعبد الله باتيلي ثم هانا تيتيه. وقد نجحت الأمم المتحدة في تحقيق اختراقات جزئية، من بينها وقف إطلاق النار ومسارات الحوار وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، لكنها لم تتمكن من تحويلها إلى تسوية مستدامة تنهي الانقسام وتفضي إلى الانتخابات المؤجلة منذ ديسمبر 2021.
ويجسد انتهاء مهام عدد من هؤلاء الوسطاء من دون حسم المسار السياسي حجم المعضلة؛ فقد استقال كوبيش قبيل تعثر الانتخابات، ثم أنهى باتيلي مهمته بعد إخفاق محاولاته في جمع الفاعلين الرئيسيين بسبب الشروط المسبقة وتضارب المصالح، واستمرت المعضلة مع المبعوثة الأممية الحالية هانا تيتيه؛ إذ أخفق مجلس النواب والمجلس الأعلى لـ الدولة في إنجاز المرحلتين الأوليين من خريطة الطريق المتعلقة بإعادة تشكيل مجلس المفوضية والإطار الانتخابي، مع تعثر تنفيذ التفاهمات واتخاذ إجراءات أحادية زادت الانسداد، ودفع ذلك البعثة إلى تشكيل لجنة) 4+4) كـ آلية أكثر تركيزًا لتجاوز الخلافات، بالتوازي مع الحوار المهيكل الذي انتهى في يونيو 2026 بأكثر من 525 توصية. وبعد سبع جولات، وقّعت اللجنة في 20 أغسطس بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق بشأن المرحلتين الأوليين، لكن اعتماد المخرجات وتحويلها إلى ترتيبات نافذة لا يزالان مرهونين بمواقف المؤسسات الليبية المعنية، بما يعكس استمرار الفجوة بين إنتاج التوافق الأممي وتنفيذه.
4- التقارب المصري – التركي
أسهم التقارب المصري – التركي في تهيئة بيئة إقليمية أكثر ملاءمة لاتساع دبلوماسية المخابرات في الملف الليبي؛ فقد أثرت سنوات القطيعة والتوتر بين القاهرة وأنقرة على طبيعة التفاعلات الإقليمية المحيطة بالأزمة، قبل أن يبدأ مسار التطبيع منذ 2021 ويتطور تدريجيًا إلى استعادة العلاقات الدبلوماسية وتعزيز التشاور السياسي والتعاون المؤسسي، حيث أصبح الملف الليبي في هذا الإطار أحد موضوعات التنسيق بين البلدين، خاصة مع تقارب مواقفهما المعلنة بشأن وحدة ليبيا وتوحيد مؤسساتها ودعم العملية السياسية.
ولا يعني ذلك تطابق المصالح أو الرؤى المصرية والتركية، وإنما انتقال إدارة الاختلاف من التنافس المباشر إلى قدر أكبر من التنسيق، وتكتسب القنوات الاستخباراتية أهمية خاصة في هذا السياق بحكم قدرتها على التعامل مع الملفات الحساسة واستكشاف حدود التقارب الممكن بين الطرفين، فضلًا عن علاقاتهما الممتدة بقوى مختلفة داخل ليبيا.
5- تعدد دوائر الانخراط الخارجي وتشابك المصالح الاستراتيجية
أسهم تعدد القوى الدولية المنخرطة في ليبيا واختلاف مصالحها في زيادة أهمية القنوات السياسية والأمنية الموازية، ويبرز تجدد الانخراط الأميركي في ظل إدارة دونالد ترامب، التي دفعت عبر مسعد بولس نحو توحيد المؤسسات الاقتصادية والأمنية والسياسية والسلطة التنفيذية، بالتوازي مع اهتمام بالاستقرار وقطاع الطاقة والاستثمارات الأميركية، في وقت يمثل فيه تصاعد النفوذ الروسي أحد دوافع الاهتمام الأميركي بإنهاء الانقسام. وفي المقابل، ترتبط إيطاليا بـ ليبيا عبر مصالح مباشرة في الطاقة والهجرة وأمن المتوسط، مع دعم توحيد المؤسسات والمسار الأممي، بينما تركز فرنسا على استقرار ليبيا ووحدتها وإجراء الانتخابات ودعم الوساطة الأممية، إلى جانب اهتمامها بتوحيد المؤسسة العسكرية والاستقرار في جنوب المتوسط والساحل.
ويختلف المسار الروسي بـ طبيعته؛ إذ عززت موسكو وجودها العسكري عبر الفيلق الأفريقي والبنية اللوجستية في عدد من القواعد الليبية، بما يمنح ليبيا أهمية كـ حلقة وصل بين المتوسط والساحل وأداة لتوسيع النفوذ الروسي في أفريقيا.
ومن ثم، لا يرتبط صعود دبلوماسية المخابرات بـ مجرد كثافة التدخل الخارجي، بل بتداخل مصالح قوى تمتلك علاقات متفاوتة مع مراكز القوة الليبية وأهدافًا أمنية وسياسية واقتصادية متباينة؛ وهو ما يزيد الحاجة إلى قنوات مرنة تستطيع متابعة موازين النفوذ، والتواصل مع الفاعلين المحليين، ونقل المواقف وتنسيقها في الملفات الحساسة، بما يعزز الوزن الوظيفي لدبلوماسية المخابرات في إدارة الأزمة.
ثالثًا: مسارات التأثير
تكشف التحركات المرتبطة بـ الملف الليبي عن تغير في بعض آليات إدارة الأزمة يتجاوز كثافة اللقاءات ذاتها، ويمكن تحديد أبرز مسارات هذا التأثير على النحو التالي:
1- توسيع قنوات الاتصال عبر الانقسام
يتمثل أحد أبرز آثار دبلوماسية المخابرات في توسيع شبكة الاتصال مع مراكز القوة في شرق ليبيا وغربها؛ فقد اتجهت القاهرة إلى تعزيز تواصلها مع مؤسسات وقيادات في غرب البلاد بـ التوازي مع علاقاتها القائمة في الشرق، بينما وسعت أنقرة اتصالاتها مع قيادة الشرق مع استمرار حضورها في الغرب، كما ظهر اتجاه مماثل في التحركات الإيطالية التي شملت اتصالات مع الطرفين. ويمنح هذا النمط قنوات الاتصال طابعًا عابرًا للانقسام، بما يساعد على نقل المواقف والرسائل بين أطراف يصعب جمعها بصورة مستمرة داخل مسار تفاوضي واحد.
وتجسد التجربة التركية هذا التحول بصورة واضحة؛ فقد عبّر هاكان فيدان خلال جولته في طرابلس وبنغازي في أغسطس 2026 عن رؤية " ليبيا واحدة "، مؤكدًا أن أنقرة تتعامل مع غرب البلاد وشرقها وجنوبها ضمن إطار واحد، وتعكس هذه الرؤية اتساع نطاق التحرك التركي ليشمل مختلف مراكز القوة، كما تشير إلى انتقال الاتصال عبر الانقسام من تحركات متفرقة إلى توجه سياسي أكثر وضوحًا، وتبرز أهمية هذا المسار في أنه يوسع قاعدة الأطراف الداخلة في عملية التشاور، ويهيئ قنوات يمكن استخدامها لاحقًا في اختبار التفاهمات ونقلها بين المستويات المختلفة.
2- بلورة أجندة مشتركة للتفاوض
امتد تأثير هذه القنوات إلى مضمون التفاوض نفسه، حيث برزت مجموعة محددة من القضايا باعتبارها أولويات متكررة في الاتصالات المصرية والتركية والأميركية، وفي مقدمتها توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات، وإجراء الانتخابات، والاستقرار، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، ويشير هذا التقارب إلى تبلور إطار عام للمسائل التي تتطلب المعالجة، مع استمرار التباين حول الصيغ والآليات اللازمة لتنفيذها.
وتبرز أهمية القنوات الاستخباراتية في قدرتها على اختبار مواقف الأطراف تجاه المبادرات المطروحة وتحديد حدود المرونة الممكنة قبل انتقالها إلى التفاوض الرسمي. وظهر ذلك مع تزامن هذه الاتصالات مع المبادرة التي يقودها مسعد بولس، ومع تأكيد حسن رشاد خلال لقائه صدام حفتر في 22 أغسطس 2026 أهمية استثمار الزخم السياسي لدفع العملية السياسية والانتخابات، ويعكس ذلك دورًا في تحديد مساحات التفاوض الممكنة أكثر من إنتاج اتفاق نهائي بشأنها.
3- التكامل بين القنوات الاستخباراتية والمستويات السياسية الرسمية
يكشف نمط التحركات عن تكامل متزايد بين القنوات الاستخباراتية والمستويات العليا لصنع السياسة الخارجية، ويتضح ذلك في الحالة المصرية؛ إذ استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة في العلمين في 30 يوليو 2026، في أول لقاء بينهما منذ تولي الدبيبة رئاسة الحكومة عام 2021، وذلك بحضور رئيس المخابرات العامة حسن رشاد، ثم استقبل المشير خليفة حفتر في 19 أغسطس 2026 بحضور رئيس المخابرات المصرية أيضًا، وبعد ثلاثة أيام، في 22 من نفس الشهر، اجتمع رشاد بصدام حفتر لبحث توحيد السلطة التنفيذية ودفع العملية السياسية والانتخابات، ويكشف هذا التتابع عن استمرار القناة الاستخباراتية بالتوازي مع انتقال الاتصالات إلى المستوى الرئاسي، بما يعكس ارتباطها بآلية أوسع لإدارة الملف الليبي.
ويظهر النمط نفسه في الحالة التركية؛ إذ تزامنت اتصالات إبراهيم قالن مع توسع النشاط الدبلوماسي الذي قاده هاكان فيدان في طرابلس وبنغازي، ثم مع المشاورات المصرية – التركية بشأن ليبيا، ويشير هذا التتابع إلى تداول الملف بين مستويات مختلفة من إدارة السياسة الخارجية، بحيث تؤدي القناة الاستخباراتية وظيفة الاتصال واستكشاف المواقف بالتوازي مع انتقال القضايا إلى المستويات الوزارية والرئاسية، وتبقى العلاقة السببية المباشرة بين كل تحرك وآخر غير محسومة في المصادر العلنية، فيما يظل التكامل المؤسسي بين هذه المستويات واضحًا.
4- زيادة مرونة التموضع الخارجي للأطراف الليبية
أدى اتساع شبكات الاتصال إلى زيادة قدرة الفاعلين الليبيين على التحرك بين دوائر خارجية متعدد؛ فقد اتسعت علاقات قيادة الشرق مع مصر وتركيا والولايات المتحدة وروسيا، في حين واصلت حكومة الوحدة اتصالاتها مع مصر وتركيا وإيطاليا والولايات المتحدة. ويشير ذلك إلى مرونة أكبر في العلاقات الخارجية مقارنة بأنماط اصطفاف أكثر صلابة ظهرت في مراحل سابقة من الأزمة.
وتعكس تحركات صدام حفتر هذا الاتجاه؛ إذ تزامنت اتصالاته مع واشنطن وأنقرة والقاهرة مع استمرار العلاقة مع موسكو، التي ظهرت مجددًا في زيارته الرسمية ولقائه الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الدفاع الروسي في 18 أغسطس، ويمنح هذا التنويع الأطراف الليبية مساحة أوسع للمناورة والتفاوض، كما يرفع في الوقت نفسه أهمية القنوات القادرة على متابعة هذه العلاقات وتقدير انعكاساتها على موازين القوة ومسار التسوية.
رابعاً: حصيلة الدور وحدوده
تكشف حصيلة الدور الاستخباراتي عن تقدم جزئي في كسر حالة الجمود بين شرق ليبيا وغربها، مع بقاء القدرة على إنتاج تسوية سياسية شاملة محدودة، وتبدو أبرز النتائج في انتقال التواصل من مجرد الاتصالات السياسية إلى خطوات وظيفية في بعض مؤسسات الدولة؛ فقد أُقرت في أبريل 2026 أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عقد، ثم تطور التواصل العسكري المباشر بين قيادات الشرق والغرب، وصولًا إلى اجتماع رئيسي الأركان في سرت في يوليو والاتفاق على خطوات تشمل قوة مشتركة للحدود وتدريبات وتنسيقًا دوريًا، ثم مشاركة قيادات أمنية من الجانبين في برنامج رامشتاين خلال أغسطس لدعم التكامل في المجال الجوي. وبالتوازي، وقعت لجنة «4+4» في 20 أغسطس بالأحرف الأولى على مسودة تفاهم بشأن الإطار الانتخابي وإعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات. ولا يمكن إرجاع هذه التطورات إلى دبلوماسية المخابرات وحدها، لكنها جاءت داخل بيئة اتسمت بتكثف الاتصالات السياسية والاستخباراتية والإقليمية، بما يشير إلى اتساع مساحة العمل المشترك بين مؤسسات ظلت لفترة طويلة تعمل ضمن هياكل منقسمة.
ويكشف نمط هذا التقدم عن مسار تراكمي يبدأ من الملفات التي تسمح بتعاون وظيفي قبل الوصول إلى القضايا الأكثر حساسية في بنية السلطة؛ فـ التوافق على ترتيبات مالية أو تعاون عسكري فني يظل أقل كلفة سياسيًا من الاتفاق على شكل السلطة التنفيذية أو توزيع المناصب أو القواعد المنظمة للانتخابات. وتمنح هذه الخطوات قيمة لمسار التسوية من زاوية بناء الثقة وإنتاج مصالح مشتركة بين المؤسسات، لكنها لا تضمن انتقالًا تلقائيًا إلى المستوى السياسي، وتظل أهمية هذا التدرج مرتبطة بقدرته على تغيير بنية الانقسام نفسها، لا بمجرد تحسين التنسيق بين مؤسسات تستمر في العمل داخل منظومتين متوازيتين.
وتبرز مبادرة مسعد بولس بوصفها اختبارًا أكثر صعوبة لـ حدود هذا المسار؛ فـ الصيغة المتداولة عنها تستهدف إعادة ترتيب السلطة التنفيذية من خلال تفاهم بين مراكز القوة الرئيسية في الشرق والغرب، وهو ما يمنحها فرصة لاختراق أحد أهم أسباب استمرار الانقسام. وفي الوقت نفسه، تكشف ردود الفعل عليها عن حدود التسوية القائمة على تفاهم بين قطبين رئيسيين.
فقد ظهرت اعتراضات وتحفظات من المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة وقوى سياسية وعسكرية في مصراتة، إلى جانب تباينات داخل مجلس النواب بشأن المبادرة ومضمونها. وتوضح هذه المواقف أن ميزان القوة الليبي أوسع من ثنائية الشرق والغرب؛ إذ توجد مؤسسات وقوى محلية ومسلحة تمتلك قدرة على التأثير في شرعية أي اتفاق أو تعطيل تنفيذه. ومن ثم، قد ينجح التفاهم بين مراكز القوة الأكبر في فتح مسار جديد، بينما يتطلب تحويله إلى تسوية مستقرة توسيع قاعدة القبول وتجنب اختزال العملية السياسية في إعادة توزيع مواقع السلطة بين النخب القائمة.
وهنا تظهر الحدود الفعلية لـ دبلوماسية المخابرات؛ فـ ميزتها الأساسية تكمن في الوصول المباشر إلى مراكز القوة، واستكشاف مواقفها، واختبار الصيغ قبل إعلانها، ونقل الضمانات، وربط التفاهمات السياسية باعتبارات الأمن والتنفيذ، وتزداد قدرتها في الملفات التي يمكن إدارتها من خلال التفاوض المباشر بين عدد محدود من الفاعلين، ولكن تنخفض هذه القدرة عند الانتقال إلى مسائل الشرعية الدستورية والقواعد الانتخابية وتوزيع السلطة، لأنها تتطلب قبولًا سياسيًا ومؤسسيًا أوسع من دائرة الأطراف التي تستطيع القنوات الاستخباراتية جمعها أو التأثير فيها. ولهذا تستطيع هذه القنوات تسهيل الوصول إلى التفاهم وتقليل كلفته، بينما تبقى قدرتها محدودة على إنتاج الشرعية اللازمة لاستدامته.
ويفسر ذلك استمرار أهمية المسار الأممي؛ فـ صعود دبلوماسية المخابرات لا يؤسس لمسار بديل عن الأمم المتحدة بقدر ما يعكس توزيعًا مختلفًا للوظائف داخل عملية التسوية، وتستطيع الدول عبر قنواتها الاستخباراتية والسياسية التعامل مع مراكز القوة وبناء الضمانات والحوافز، بينما توفر البعثة الأممية إطارًا أوسع لتحويل التفاهمات إلى ترتيبات انتخابية ومؤسسية يمكن منحها شرعية سياسية وقانونية. ويزيد التكامل بين المستويين فرص التقدم عندما تنتقل التفاهمات الثنائية إلى إطار ليبي أكثر شمولًا. أما تجاوز هذا الإطار فـ يحمل خطر تحويل دبلوماسية المخابرات إلى أداة لإدارة التوازن بين النخب، بما يسمح بتخفيف التوتر واستمرار المؤسسات في العمل مع بقاء جوهر الانقسام قائمًا.
وبناءً على ذلك، تبدو فرص التقدم أقرب إلى مسار تدريجي منها إلى اختراق سياسي شامل وسريع؛ فـ التطورات في الملفات المالية والعسكرية والأمنية تشير إلى إمكانية بناء توافقات جزئية تتراكم مع الوقت، لكن عقدة السلطة تظل المستوى الأصعب بسبب تعدد الفاعلين وتعارض المصالح وارتفاع كلفة التنازل. ويعتمد نجاح هذا المسار على انتقال التعاون الوظيفي إلى توحيد فعلي للمؤسسات، ثم إلى قواعد سياسية وانتخابية تحظى بقبول أوسع. وفي غياب هذا الانتقال، قد تؤدي التفاهمات الجزئية إلى تحسين إدارة الانقسام من دون إنهائه .أما إذا تحولت إلى قاعدة لتوسيع التوافق وتوحيد المؤسسات، فإن دبلوماسية المخابرات يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في بناء التسوية خطوة بخطوة.
وعليه، تكمن حصيلة هذا الدور في قدرته على إنتاج اختراقات جزئية وتهيئة شروط التسوية أكثر من قدرته على حسمها، حيث تستطيع دبلوماسية المخابرات فتح المسارات وتقريب مراكز القوة ودعم الانتقال من الاتصال إلى التعاون، بينما يتوقف الوصول إلى تسوية مستقرة على قدرة المؤسسات الليبية على تحويل هذه التفاهمات إلى قواعد سياسية وقانونية مشتركة تتجاوز ترتيبات تقاسم النفوذ إلى إعادة توحيد الدولة.
الخاتمة
تكشف الحالة الليبية أن صعود دبلوماسية المخابرات ارتبط بـ خصوصية بنية الأزمة نفسها؛ إذ يجتمع فيها الانقسام المؤسسي، وتعدد مراكز القوة، وتداخل المسار السياسي بـ الترتيبات الأمنية والعسكرية، إلى جانب إعادة تشكل ديناميات الإقليم، ولا سيما التقارب المصري – التركي، وتجدد الانخراط الدولي.
وتوفر هذه البيئة مساحة أوسع لعمل القنوات الاستخباراتية مقارنة بأزمات تحكمها مؤسسات أكثر مركزية أو قنوات تفاوض أكثر استقرارًا، بما يسمح لها بالتواصل مع فاعلين متنوعين، واستكشاف المواقف، وتقريب أجندات التفاوض، وربط التحركات الاستخباراتية بالمستويات السياسية والدبلوماسية الرسمية.
ومع ذلك، تظل قدرة دبلوماسية المخابرات على حسم الأزمة محدودة؛ إذ تبدو أكثر فاعلية في فتح قنوات التفاوض، وبناء الضمانات، وتسهيل التعاون في الملفات الوظيفية والأمنية، بينما تتراجع قدرتها أمام قضايا الشرعية وتوزيع السلطة والقواعد الانتخابية التي تتطلب توافقًا سياسيًا ومؤسسيًا أوسع.
ومن ثم، تكمن قيمة هذا الدور في تهيئة شروط التسوية وتسهيل الوصول إليها، وليس في إنتاجها بصورة منفردة؛ ويظل نجاحه مرهونًا بقدرة المؤسسات الليبية والمسار السياسي الأوسع على تحويل التفاهمات الجزئية إلى ترتيبات مشتركة تتجاوز إدارة الانقسام نحو إعادة توحيد الدولة.
الرابط المختصر
استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.
