إن الأرقام التي أوردتها المبعوثة الأممية في إحاطتها أمام مجلس الأمن لا تمثل مجرد زيادة في الاستهلاك، بل تشكل مؤشرات قوية على وجود اختلالات هيكلية وفساد مالي وإداري واسع النطاق في منظومة الدعم، خاصة إذا ما قورنت بـ معدلات النمو الطبيعية للسكان أو النشاط الاقتصادي أو حجم الأجهزة الحكومية خلال الفترة نفسها.
تستند أرقام السيدة تيتيه إلى تقريرين صدرا فعلاً في 8 يونيو 2026 عن اللجنة العليا المشتركة بين ديوان المحاسبة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. الصورة التي يرسمها التقريران أوسع وأعمق من الأرقام التي وردت في الإحاطة، وتكشف عن فساد بُنيوي وليس مجرد " تجاوزات " عابرة.
وذكرت السيدة تيتيه المبعوث الخاص لـ الأمين العام لـ هيئة الأمم المتحدة الى ليبيا UNSMIL ما يلي في احاطتها الى مجلس الامن الدولي يوم 18 يونيو 2026، ما يلي:
ويتجلى حجم استغلال الدعم الحكومي بشكل صارخ في تقريري دعم الوقود والأدوية الصادرين في 8 حزيران/ يونيو عن ديوان المحاسبة الوطني والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. فـ في قطاع الوقود، يوثق التقرير زيادات غير مسبوقة وغير مبررة في استهلاك الوقود بين عامي 2021 و2024.
وهذا يتضمن ارتفاعاً بنسبة 621 % في سحب البنزين من قبل أجهزة الأمن العام،
وزيادة بنسبة 1527 % في استهلاك الديزل من قبل القوات المسلحة.
وهناك أيضاً زيادة بنسبة 203 % في استخدام الديزل من قبل قطاع الكهرباء،
وارتفاعات حادة تصل إلى 1368 % في بعض محطات توليد الطاقة.
إن هذه الأرقام تشير بـ قوة إلى انحراف واسع النطاق للوقود المدعوم عن مساره.
1- الجذر الأول: انهيار طاقة التكرير المحلية
نقطة الانطلاق ليست الاستهلاك بل العرض. إغلاق مصفاة رأس لانوف منذ 2013، وهي المصفاة التي كانت تغطي نحو 58% من إجمالي القدرة التكريرية في ليبيا، يكلّف الاقتصاد الليبي نحو (1.2) مليار دولار سنويًا نتيجة فقدان القدرة على التكرير محليًا والاعتماد المتصاعد على الاستيراد. هذا التحول من " دولة منتجة لمشتقاتها " إلى " دولة مستوردة لمشتقاتها رغم كونها بلدًا نفطيًا " هو ما فتح الباب لكل ما تلاه من اختلالات.
2- فساد التوريد: تركّز السوق في يد لاعب واحد
بين 2022 و2024 تراجع عدد الشركات العالمية الموردة للوقود من (17) شركة عام 2022 إلى (6) شركات فقط، وفي خضم هذا التقلص استحوذت شركة حديثة التأسيس على نحو (43 %) من إجمالي عقود التوريد بقيمة تجاوزت (3.98) مليار دولار. هذا النمط من تقليص عدد الموردين مع صعود مفاجئ لـ شركة وليدة تستحوذ على الحصة الأكبر، هو توقيع كلاسيكي لفساد العقود العامة والذي يتمثل في إقصاء منافسين راسخين لـ صالح وسيط جديد له تغطية سياسية أو أمنية. ترافق ذلك مع قفزات غير مبررة اقتصاديًا في تكاليف الشحن والتأمين منها:
علاوة بيع البنزين بشرط التسليم ارتفعت من (4.5) دولارات لـ الطن في 2022 إلى (67.0) دولارًا لـ الطن في 2024، بخسائر إضافية تُقدَّر بـ (596) مليون دولار سنويًا، بينما قفزت علاوة الشحن والتأمين الخاصة بالديزل بنسبة (450 %).
هذه " العلاوات " غالبًا ما تكون القناة التي يُمرَّر عبرها الفساد في عقود التوريد الدولية، لأنها بنود يصعب التحقق من سعرها السوقي الفعلي.
3- الفجوة المؤسسية: ازدواجية الاختصاص بلا رقابة
يوثّق التقرير تداخلاً تشريعيًا وازدواجية في الاختصاصات بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة لتسويق النفط أدت إلى غياب الرقابة والمساءلة، كما أن شركة البريقة تعتمد على تقديرات تقريبية وتقليدية في تحديد احتياجات السوق المحلي من الوقود، وتفتقر لدراسات علمية مؤكدة. بـ عبارة أخرى: لا توجد جهة واحدة محاسَبة عن " كم يحتاج السوق فعليًا "، وهذا الفراغ هو ما يسمح بتضخيم الكميات المستوردة والمسحوبة دون رادع كمي.
4- أرقام الانحراف في الاستهلاك (وهي نفسها التي ذكرتها تيتيه)
وفق التقرير، سُجّلت قفزات قياسية وتضخم غير مبرر في سحوبات الوقود الموزع على قطاعات الثلاث الأمن العام والقوات المسلحة والكهرباء بين 2021 و2024، حيث قفزت مسحوبات الأمن العام من البنزين بنسبة (621 %) والديزل بنسبة (441 %)، وسجلت مسحوبات القوات المسلحة من الديزل ارتفاعًا قياسيًا بنسبة (1527 %) خلال 2024 مقارنة بـ 2021. في قطاع الكهرباء، ارتفع استهلاك الديزل بنسبة (203 %) والزيت الثقيل بنسبة (125 %)، مع تفاوت صارخ بين المحطات: استهلاك الديزل في محطة جنوب طرابلس ارتفع (1368 %)، وفي محطة الغرب (881 %).
هذه الزيادات لا يفسرها نمو الطلب الفعلي على الكهرباء أو التشغيل الأمني/العسكري بهذا الحجم؛ وإنما التفسير الأرجح، كما تشير إليه السيدة تيتيه صراحة في إحاطتها، هو انحراف الوقود المدعوم عن مساره. إما عبر إعادة بيعه في السوق الموازية، أو تهريبه خارج البلاد بعد تكريره أو كما هو، باستخدام صفة " السحب الرسمي" كـ غطاء قانوني لـ الكمية المهرَّبة.
5- الثغرة التشريعية والمالية: لماذا يصعب ضبط هذا الملف؟
يكشف التقرير عن غياب شبه كامل لإطار قانوني الذي يحكم الدعم، إذ لا توجد أحكام قانونية صريحة تنظم دعم المحروقات ضمن قانون النظام المالي، ولا حساب حكومي خاص بـ الدعم، وغياب الغطاء القانوني يجعله عرضة للمناقلات المالية. والأخطر أن استخدام الموارد النفطية في توريد المحروقات عبر " نظام المبادلة " يُخالف القواعد المالية المنظِّمة لـ المال العام، ويُسهم في إخفاء جزء من الإيرادات والمصروفات الفِعلية للدولة، حيث أظهر نظام المبادلة الإيرادات والنفقات الرسمية بأقل من قيمتها الحقيقية بـ نسبة (30 %) إلى (35 %)، وعلى صعيد التحصيل، لم تتجاوز المبالغ المُحصَّلة من شركات التوزيع خلال 2022 - 2024 سوى (596.7) مليون دينار فقط، وهو رقم هزيل قياسًا بحجم الدعم المصروف.
والمفارقة الأخيرة أن الحكومة عام 2022 رصدت مخصصات دعم بقيمة (5.2) مليار دينار بعد مناقلة مالية بـ (2.6) مليار دينار، بينما لم تتضمن ميزانية 2023 ولا الاعتمادات الشهرية المؤقتة لعام 2024 أي مخصصات رسمية لدعم المحروقات رغم استمرار الإنفاق الفعلي عبر المبادلة. أي أن الدولة تنفق مليارات على دعم غير موجود في الميزانية أصلاً، وهذا بالضبط ما يجعله " خارج الرقابة " بـ المعنى الحرفي.
أما التوصيات التي وردت في التقرير فـ كانت تتركز على اولا، فرض غرامة تأخير (0.5 %) يوميًا، ثانيا، وقف التزويد عن الشركات المتأخرة أكثر من 30 يومًا، ثالثا، إلزام شركات التوزيع بـ تحويل الإيرادات لـ وزارة المالية خلال 48 ساعة، رابعا، تركيب أنظمة تتبع GPS على الشاحنات والخزانات، وأخيرا، خارطة إصلاح تستهدف خفض الكميات المستوردة بين (25 %) و(30 %).
الخلاصة
إن الزيادات البالغة (621 %) و(1527 %) و(203 %) و(1368 %) لا تبدو مجرد مؤشرات على سوء إدارة أو ضعف تخطيط، بل تحمل سِمات كلاسيكية لما يُعرف في أدبيات مكافحة الفساد بـ " اختطاف الدعم الحكومي "، حيث تتحول الموارد العامة المخصصة لـ خدمة المواطنين إلى منافع خاصة تستفيد منها شبكات من الوسطاء والمتنفذين والمهربين، وكلما كانت هذه الزيادات غير مرتبطة بزيادة مماثلة في عدد المركبات أو المعدات أو الإنتاج الفعلي لـ الكهرباء، أصبحت قرينة قوية على وجود تحويل غير مشروع لـ الوقود المدعوم، سواء عبر التهريب أو السوق الموازية أو التلاعب في سجلات الصرف والاستهلاك.
واخيرا، أن الفساد في الوقود حالة لا تحدث عبر " اختراق " لـ النظام، بل عبر فراغ تشريعي ومؤسسي متعمد أو مهمل، لا لحساب مُخصص، لا جهة وحيدة مسؤولة، لا آلية تسعير شفافة، ولا رقابة مستقلة التمويل، وهذا الفراغ يتيح لـ شبكات مُنظمة، سواء أكانت أمنية في الوقود، أو تجارية العمل ضمن غطاء " إجراءات رسمية " دون أن تُسأل عن الفارق بين الكمية المسحوبة/المستوردة والاستهلاك الفعلي المُبرر. وهذا بالضبط ما حدا بالسيدة تيتيه إلى ربط هذه الأرقام بـ " شبكات متغلغلة تهرّب الوقود المكرر والمدعوم إلى خارج البلاد على حساب المستهلك الليبي"، في الإحاطة نفسها.
الرابط المختصر
استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.
