LCSMS
تابعنا

بحث متقدم
الرئيسية
الإنفوجرافيك
إصدارات المركز
LCSMS
تابعنا

بحث متقدم
  • الرئيسية
  • الإنفوجرافيك
  • إصدارات المركز
  • Toggle Theme

المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية

Mecidiyeköy, Istanbul, TurkeyP.O.Box 34387 +905548201002

https://libc.ly/

النشرة الدورية


جميع الحقوق محفوظة © 2024
الأهمية الاستراتيجية لليبيا في الحسابات الإسرائيلية.. وانعكاساتها على التوازنات الليبية والإقليمية
أوراق بحثية
24.10.2026
77

الأهمية الاستراتيجية لليبيا في الحسابات الإسرائيلية.. وانعكاساتها على التوازنات الليبية والإقليمية

مقدمة

أصبحت ليبيا، منذ عام 2011، ساحة مفتوحة لتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة، بفعل استمرار الانقسام السياسي والأمني، وتعدد مراكز القوة، وأهمية موقعها الجغرافي على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط. وقد انعكس ذلك على طبيعة التفاعلات المحيطة بها، إذ لم تعد التطورات الليبية محصورة في نطاقها الداخلي، بل ارتبطت بقضايا أوسع تشمل النفوذ الإقليمي، وأمن الطاقة، والممرات البحرية، وشبكات التحالفات في المنطقة. وفي هذا السياق، ظل الحضور الإسرائيلي أقل وضوحًا مقارنة بأدوار قوى أخرى، إلا أن مؤشرات متفرقة كشفت خلال السنوات الماضية عن اهتمام إسرائيلي بالمشهد الليبي، سواء من خلال متابعة تطوراته أو عبر تقارير تناولت اتصالات مع بعض الفاعلين داخله.

اكتسب تناول هذا الاهتمام أهمية أكبر خلال الفترة الأخيرة، مع تزامن عدد من المؤشرات التي أعادت ليبيا إلى النقاش داخل الأوساط الإسرائيلية؛ فقد تحدثت صحيفة " جيروزاليم بوست " في سبتمبر 2026 عن متابعة شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لما وصفته بـ" الممر الليبي "، في سياق يتصل بالملاحة والطاقة والتحركات الإقليمية في البحر المتوسط. وتزامن ذلك مع تداول روايات بشأن لقاء عُقد بين صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أبو ظبي، قبل أن تواجه هذه الرواية نفيًا من مصدر عسكري في قوات شرق ليبيا، وتظل من دون تأكيد مستقل. ولا تبدو هذه التقارير منفصلة عن سوابق شهدها الملف؛ إذ أثيرت خلال السنوات الماضية روايات عن اتصالات مع معسكر حفتر، فيما كشف لقاء وزيرة الخارجية الليبية آنذاك نجلاء المنقوش بنظيرها الإسرائيلي إيلي كوهين في روما عام 2023 عن وصول التواصل، في إحدى محطاته، إلى المستوى الحكومي، وما يمكن أن يترتب على كشفه من تداعيات داخلية.

وتطرح هذه المؤشرات مجتمعة إشكالية تتجاوز التحقق من لقاء بعينه أو رصد اتصالات متفرقة، وتتصل بموقع ليبيا نفسه داخل الحسابات الإسرائيلية، والعوامل التي تمنحها هذه الأهمية في المرحلة الراهنة. وتتضاعف أهمية هذا التساؤل مع اتساع الحضور الإسرائيلي في أفريقيا، وتشابك المصالح البحرية في المتوسط، وتصاعد التنافس الإقليمي، إلى جانب ما يتيحه الانقسام الليبي من تعدد قنوات الاتصال ومراكز التأثير. ومن هذا المنطلق، تسعى الورقة إلى الإجابة عن سؤال رئيسي: ما محددات أهمية ليبيا في الحسابات الإسرائيلية، وكيف تنعكس التحولات الإقليمية وتعدد مراكز القوة داخل ليبيا على طبيعة هذا الاهتمام وتأثيراته في التوازنات الليبية والإقليمية؟

أولًا: ملامح الاهتمام الإسرائيلي بالملف الليبي في ضوء التقارير والاتصالات المتداولة

تدرج الاهتمام الإسرائيلي بالملف الليبي خلال السنوات الأخيرة من إشارات سياسية محدودة إلى مسارات اتصال أكثر انتظامًا، قبل أن يصل في بعض المحطات إلى مستوى التواصل بين مسؤولين حكوميين. ولم يأخذ هذا المسار صورة علاقة ثنائية مستقرة؛ إذ تشكل في بيئة ليبية منقسمة تتعدد داخلها مراكز القرار، وتختلف حسابات الفاعلين في الشرق والغرب. لذلك ارتبطت أغلب التحركات بقنوات خلفية، أو ظهرت عبر الصحافة والتسريبات، فيما بقي الانتقال إلى التواصل المعلن محكومًا بحساسية القضية الفلسطينية داخل ليبيا وبالكلفة السياسية التي يمكن أن تترتب على الكشف عن مثل هذه الاتصالات.

ظهرت إحدى الإشارات المبكرة في ديسمبر 2019، عندما نسبت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية إلى عبد الهادي الحويج، وزير الخارجية في الحكومة المؤقتة بالشرق آنذاك، قوله إن ليبيا قد تقيم علاقات طبيعية مع إسرائيل في حال تسوية القضية الفلسطينية. غير أن الحويج نفى لاحقًا إجراء المقابلة أو الإدلاء بهذه التصريحات، كما أصدرت وزارة الخارجية في الحكومة المؤقتة بيانًا نفت فيه الخبر «جملة وتفصيلًا»، واعتبرته محاولة لتحويل الاهتمام عن الاتفاق الذي وقعته حكومة الوفاق مع تركيا. وبعد نحو ستة أشهر، ظهر خطاب أكثر صراحة من داخل الحكومة نفسها؛ إذ دعا عبد السلام البدري، نائب رئيس الحكومة المؤقتة، إسرائيل إلى دعم معسكر خليفة حفتر، وربط بين الطرفين بمصالح مشتركة في مواجهة السياسة التركية، كما طرح إمكان التعاون في ترتيبات الغاز بشرق المتوسط وانتقد الاتفاق البحري الذي وقعته أنقرة مع حكومة الوفاق في نوفمبر 2019. وتكشف هذه التصريحات عن بداية انتقال إسرائيل، في خطاب بعض دوائر شرق ليبيا، من ملف شديد الحساسية إلى طرف يمكن استكشاف جدوى التعامل معه ضمن حسابات الصراع الداخلي والتحالفات الإقليمية.

اتصالًا بذلك، شهد عام 2021 كثافة أكبر في التقارير المرتبطة بمعسكر حفتر، بالتزامن مع التحضير للانتخابات الرئاسية التي كان مقررًا إجراؤها في نهاية العام. ففي أبريل، نشرت «جيروزاليم بوست» تقريرًا نقلًا عن صحيفة أمريكية يفيد بعقد لقاء سري بين مسؤولين في وزارة الاستخبارات الإسرائيلية وصدام حفتر. وربط التقرير الاجتماع بمحاولات الأخير توسيع شبكة الدعم الخارجي لمعسكره في مرحلة كانت فيها ترتيبات السلطة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة. ورغم أن الرواية بقيت في نطاق التقارير الصحفية، فإن أهميتها جاءت من طبيعة الجهة الإسرائيلية التي نُسب إليها التواصل، ومن ظهور صدام حفتر بوصفه قناة رئيسية في هذا المسار.

وازداد هذا الاتجاه وضوحًا في الأشهر التالية؛ ففي أكتوبر 2021، ذكرت صحيفة «إسرائيل هيوم» أن أحد أبناء خليفة حفتر تعاقد مع شركة استشارات إسرائيلية للمشاركة في إدارة الحملة المرتبطة بالانتخابات الليبية، وأن الشركة أنشأت كيانًا منفصلًا في الإمارات لإدارة أنشطتها. وبعد أسابيع، نقلت الصحيفة نفسها عن مسؤولين ليبيين مقربين من حفتر حديثًا عن إمكان توظيف العلاقة مع إسرائيل في دعم إعادة الإعمار وتحسين الوصول إلى الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الغربية. ويكتسب هذا الطرح أهمية لأنه يكشف عن وظيفة أوسع للاتصال؛ فالعلاقة مع إسرائيل طُرحت في هذه المرحلة باعتبارها مدخلًا إلى شبكات نفوذ دولية يمكن أن تستخدم في تعزيز الموقع السياسي، وليس باعتبارها مسارًا ثنائيًا منفصلًا عن الصراع على السلطة داخل ليبيا. وفي الوقت نفسه، أقرت المصادر التي تحدثت إلى الصحيفة بحساسية طرح الملف أمام الرأي العام الليبي، وهو ما يفسر بقاء جانب كبير من هذه التحركات بعيدًا عن المجال الرسمي.

وفي نوفمبر من العام نفسه، ظهرت الرواية الأكثر وضوحًا بشأن اتصال مباشر بين صدام حفتر ومسؤولين إسرائيليين؛ فقد نقلت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» عن «هآرتس» أن طائرة خاصة أقلّت صدام من دبي إلى ليبيا توقفت في مطار بن غوريون لفترة قصيرة، وأن الزيارة ارتبطت باجتماعات مع مسؤولين إسرائيليين. ووفق الرواية المنشورة، حمل صدام رسالة تتضمن طلب دعم عسكري ودبلوماسي، مقابل الاستعداد للدفع نحو إقامة علاقات مستقبلية مع إسرائيل. كما أشار التقرير إلى اتصالات سابقة مع قسم العلاقات الخارجية في جهاز الموساد، المسؤول عن إدارة قنوات مع دول لا تربطها علاقات دبلوماسية بإسرائيل. بقيت هوية المسؤولين الذين قيل إنه التقاهم مجهولة، ولم يصدر تأكيد رسمي ليبي أو إسرائيلي لمضمون الزيارة؛ غير أن الواقعة رسخت حضور اسم صدام حفتر في معظم التقارير اللاحقة المتعلقة بقنوات التواصل بين الجانبين.

على أن الاهتمام الإسرائيلي لم يقتصر على شرق ليبيا؛ فقد كشفت أزمة أغسطس 2023 عن وجود قناة وصلت إلى مستوى وزيري مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، حيث أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين آنذاك أنه التقى نظيرته الليبية نجلاء المنقوش في روما، وقدم الاجتماع باعتباره خطوة أولى لاستكشاف فرص التعاون بين البلدين. وردت وزارة الخارجية الليبية بأن اللقاء جرى بصورة عارضة على هامش اجتماع في وزارة الخارجية الإيطالية، وأنه لم يتضمن مباحثات أو اتفاقات. في المقابل، نقلت «رويترز» عن مسؤول إسرائيلي أن الاجتماع كان منسقًا مسبقًا، واستمر قرابة ساعتين، وحصل على موافقة على مستوى رفيع داخل ليبيا. وأدت معرفة الاجتماع إلى احتجاجات في طرابلس ومدن أخرى، ثم أوقف رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة المنقوش وأحالها إلى التحقيق قبل إقالتها.

مثلت أزمة المنقوش محطة فارقة في تطور هذا المسار؛ إذ أثبتت وجود استعداد للوصول إلى مستوى رسمي مرتفع، وكشفت في الوقت نفسه حجم القيود الداخلية التي تحكم هذا النوع من التواصل. وقد امتدت تداعيات الأزمة إلى الجانب الإسرائيلي نفسه؛ إذ تعرض كوهين لانتقادات بسبب الإعلان عن الاجتماع، ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصدر في الموساد قوله إن طريقة الكشف عن اللقاء أضرت بقنوات بُنيت خلال سنوات. ومن ثم، أسهمت الواقعة في ترسيخ العودة إلى السرية بوصفها الإطار الأكثر ملاءمة لإدارة الاتصالات مع الأطراف الليبية، خاصة في ظل هشاشة الشرعية السياسية للمؤسسات القائمة وشدة الحساسية الشعبية تجاه العلاقة مع إسرائيل.

كما انعكست تداعيات الأزمة على الخطاب العلني في شرق ليبيا؛ ففي فبراير 2024، نسبت تصريحات لعبد الهادي الحويج في صحيفة «معاريف» إنه يرفض إقامة علاقات ثنائية مع إسرائيل، مؤكدًا التمسك بإقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس. وتكتسب هذه المقارنة أهميتها إذا وضعت إلى جانب تصريحاته السابقة في 2019؛ فهي تظهر أن المواقف المعلنة تخضع لتغير البيئة السياسية وللكلفة الداخلية المتصلة بالملف، بينما ظلت التقارير المتعلقة بالقنوات غير المعلنة تظهر على فترات متقطعة.

في هذا السياق، أعادت رواية أبو ظبي خلال سبتمبر 2026 ملف الاتصالات مع معسكر حفتر إلى الواجهة، والثابت أن صدام حفتر زار أبو ظبي في 25 سبتمبر؛ إذ أعلنت وكالة أنباء الإمارات لقاءه منصور بن زايد، كما اجتمع في اليوم نفسه بوزير الدولة لشؤون الدفاع بحضور رئيس أركان القوات المسلحة الإماراتية. وبعد يومين، زار بنيامين نتنياهو أبو ظبي والتقى الرئيس الإماراتي محمد بن زايد. ويضع هذا التقارب الزمني الطرفين في نطاق جغرافي واحد خلال فترة متقاربة، من غير أن يكفي في ذاته لإثبات حدوث لقاء بينهما.

واكتسبت الرواية حساسية إضافية بفعل توقيتها؛ إذ سبقتها اتهامات نشرتها صحيفة «إل فوغليو» الإيطالية ضد صدام حفتر على خلفية «الخلية التخريبية» التي أعلنت حكومة الوحدة تفكيكها مطلع سبتمبر، وربطتها بهجمات استهدفت منشآت في الزاوية وطرابلس. لذلك صاحب ظهور خبر اللقاء تفسيرٌ داخل بعض الأوساط الليبية اعتبره محاولة للتشويش على قيادة قوات الشرق وتحويل مسار الجدل الذي أثارته قضية الخلية، وهي قراءة بقيت في نطاق التقدير السياسي من دون أدلة تثبت وجود صلة مقصودة بين الملفين.

وفي 29 سبتمبر، نشرت «إل فوغليو» رواية اللقاء استنادًا إلى بيانات تتبع طائرة من طراز إيرباص تستخدم عادةً من جانب صدام حفتر، وقالت إنها وصلت إلى مطار البطين بعد نحو عشرين دقيقة من وصول نتنياهو. أما القول بعقد اجتماع بينهما فاستند أساسًا إلى محمد بويصير، المستشار السياسي السابق لخليفة حفتر، الذي ربط حركة الطائرة بلقاء محتمل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي. وانتقلت الرواية إلى وسائل إعلام إسرائيلية، من بينها «جيروزاليم بوست» و«تايمز أوف إسرائيل»، إلا أن كليهما أحال إلى التقرير الإيطالي بوصفه أصل الخبر، فيما أشارت «جيروزاليم بوست» إلى غياب تأكيد من مسؤولين إسرائيليين أو مصادر مقربة من حفتر.

في المقابل، قالت نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» عن مصدر عسكري مسؤول في قوات شرق ليبيا نفيه الرواية، معتبرًا أن نشرها يستهدف التشويش على قيادة الجيش. وحتى الآن، لم يظهر مصدر مستقل يحسم وقوع الاجتماع. ومن ثم، تكشف واقعة أبو ظبي عن إحدى السمات المتكررة في هذا الملف؛ إذ تتجاور تحركات رسمية قابلة للتحقق مع تسريبات تستند إلى قرائن، قبل أن تتسع دائرة تداولها إعلاميًا بما يفوق قاعدة الإثبات التي قامت عليها.

تأسيسًا على ذلك، يكشف تتبع هذا المسار عن تطور تدريجي في الاهتمام الإسرائيلي بليبيا. بدأت مؤشراته باتصالات ارتبطت بمعسكر الشرق وحسابات الدعم الخارجي، ثم اتسعت خلال 2021، قبل أن يكشف لقاء نجلاء المنقوش وإيلي كوهين عام 2023 عن امتداد التواصل إلى غرب البلاد ووصوله إلى مستوى حكومي. وأعادت تسريبات 2026 معسكر حفتر إلى الواجهة، بالتزامن مع ظهور ليبيا بصورة أوضح في التقديرات الأمنية الإسرائيلية. ويقود ذلك إلى مستوى آخر من التحليل يتعلق بالمحددات التي تمنح ليبيا أهميتها في الحسابات الإسرائيلية، وهو ما يتناوله المحور التالي.

ثانيًا: محددات أهمية ليبيا في الحسابات الإسرائيلية

ترتبط أهمية ليبيا الاستراتيجية في الحسابات الإسرائيلية بجملة من التحولات التي تجاوز أثرها حدود الساحة الليبية، ويمكن تحديد أبرز هذه المحددات على النحو التالي:

• توسيع دوائر الحضور الإسرائيلي في أفريقيا

اتجهت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع نطاق علاقاتها السياسية والأمنية في أفريقيا، بما منح تحركها امتدادًا جغرافيًا من شمال القارة إلى الساحل والقرن الأفريقي؛ ففي المغرب، تطورت العلاقات منذ استئنافها عام 2020 إلى تعاون دفاعي وعسكري متقدم، قبل أن يتفق البلدان في سبتمبر 2026 على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وفتح سفارتين. وفي نطاق الساحل، تحتفظ إسرائيل بعلاقات دبلوماسية مع تشاد منذ استئنافها عام 2019، وافتتحت نجامينا سفارتها في إسرائيل عام 2023، فيما تغطي السفارة الإسرائيلية في السنغال العلاقات مع عدد من دول غرب أفريقيا، بينها تشاد وغينيا وغامبيا وغينيا بيساو والرأس الأخضر. أما شرقًا، فقد أضاف اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في ديسمبر 2025، ثم بدء تعاون أمني شمل تدريب قوات من الجيش والشرطة خلال 2026، موطئ اتصال جديدًا عند خليج عدن والبحر الأحمر. وفي المقابل، ظل مسار التطبيع مع السودان، الذي بدأ ضمن اتفاقات عام 2020، دون استكمال علاقات دبلوماسية رسمية في ظل الاضطرابات والحرب الداخلية.

وفي هذا الامتداد، تكتسب ليبيا أهمية خاصة بحكم موقعها غرب مصر وإطلالتها على مساحة واسعة من جنوب المتوسط، بما يجعل فتح قنوات مع فاعلين فيها إضافة نوعية إلى نطاق الحركة الإسرائيلية في شمال أفريقيا ومحيط البحر الأحمر. وتقرأ القاهرة هذه التحركات بعناية؛ فليبيا تمثل امتدادًا مباشرًا لأمنها على الحدود الغربية، بينما يقع البحر الأحمر والقرن الأفريقي ضمن دائرة أمنية شديدة الحساسية شرقًا وجنوبًا. وقد عكست المواقف المصرية تجاه الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال هذا القلق؛ إذ حذرت القاهرة من انعكاساته على استقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وشاركت في تحركات إقليمية رافضة له. ومن ثم، فإن اتساع الحضور الإسرائيلي من المغرب غربًا إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر شرقًا، مع إمكان بناء قنوات إضافية داخل ليبيا، يوسع نطاق الحركة الإسرائيلية في محيط جغرافي يمس مباشرة حسابات الأمن القومي المصري.

• ربط الساحل الليبي بحسابات الأمن البحري الإسرائيلي

يرتبط المحدد الثاني بالموقع البحري لليبيا وما طرأ على قيمته منذ توقيع مذكرة ترسيم مناطق الصلاحية البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في نوفمبر 2019؛ إذ أدخلت المذكرة الساحل الليبي في قلب التنافس على الحدود البحرية والطاقة والبنية التحتية في شرق المتوسط، وأصبحت أحد المرتكزات التي تستند إليها أنقرة في الاعتراض على بعض المشروعات البحرية التي تنخرط فيها اليونان وقبرص وإسرائيل. ويكتسب ذلك أهمية أكبر مع تعميق التعاون الثلاثي بين إسرائيل واليونان وقبرص؛ فقد أكد قادة الدول الثلاث، خلال قمتهم في القدس في 22 ديسمبر 2025، توسيع التعاون في الأمن البحري وحماية الممرات والمنشآت الحيوية، ودعم مشروعات الغاز والربط الكهربائي. كما عززت الدول الثلاث تعاونها في مجال الطاقة خلال 2026، قبل أن تستضيف الخارجية الإسرائيلية في 13 أكتوبر وفدًا حكوميًا واقتصاديًا رفيع المستوى من اليونان وقبرص لبحث التعاون في الأمن، والطاقة، والملاحة، والتكنولوجيا. وينظر الجانب التركي بحساسية إلى بعض هذه التحركات، خاصة عندما تمتد إلى مناطق بحرية تعتبرها أنقرة واقعة ضمن نطاق حقوقها المستندة إلى اتفاقها مع ليبيا.

وفي هذا السياق، برز تقرير «جيروزاليم بوست» في 28 سبتمبر 2026، الذي أشار إلى تركيز شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية على ما وصفه بـ«الممر الليبي»، وربط الاتفاق التركي–الليبي بحركة الملاحة ومشروعات الغاز وكابلات الكهرباء والاتصالات البحرية. وتظهر الأهمية العملية لهذا الطرح في مشروع الربط الكهربائي البحري بين أوروبا وقبرص وإسرائيل؛ ففي 15 أكتوبر تقدمت الجهة المنفذة بطلب لاستئناف أعمال مسح قاع البحر، بعد تأخر المشروع نتيجة الخلاف التركي–اليوناني حول مناطق تقول أنقرة إنها تدخل ضمن المجال الذي يغطيه اتفاقها البحري مع ليبيا.² وبذلك لم يعد الساحل الليبي هامشًا بعيدًا عن الحسابات الإسرائيلية؛ إذ أصبح موقع ليبيا واتفاقاتها البحرية يتداخلان مباشرة مع بنية تعاون استراتيجي تعمل إسرائيل على ترسيخها مع اليونان وقبرص في مجالات الأمن والطاقة والاتصال البحري، وهو ما يفسر ارتفاع قيمة الملف الليبي داخل المتابعة الإسرائيلية

• موازنة الحركة التركية عبر ساحات مترابطة

تزايدت حساسية إسرائيل تجاه التحركات التركية الخارجية مع اتساع الاحتكاك بين الطرفين في سوريا وشرق المتوسط. ففي 18 أغسطس 2026، استهدفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية في سوريا بثماني غارات طالت مدارج ومنشآت تخزين، على خلفية مخاوف من احتمال استخدامها في انتشار عسكري تركي. وكانت مسألة الانتشار التركي قد طُرحت قبل الضربات بأيام خلال اتصالات أمنية، فيما تحركت الولايات المتحدة لاحقًا لإنشاء آلية لتجنب الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا.

وتدخل ليبيا في هذا السياق من زاوية مختلفة؛ إذ يحتفظ الأتراك بوجود عسكري راسخ في الغرب، بالتوازي مع تحسن علاقاتهم مع قيادة الشرق. وقد عكست زيارة هاكان فيدان إلى طرابلس وبنغازي في أغسطس 2026 هذا التحول، بما يسمح لأنقرة بتوسيع حضورها عبر خطوط الانقسام. وتتابع إسرائيل هذا المسار في ضوء انعكاساته البحرية والإقليمية، وليس لأن ليبيا أصبحت ساحة مواجهة مباشرة مشابهة لسوريا.

• استثمار تعدد مراكز القوة داخل ليبيا

يمنح الانقسام الليبي القوى الخارجية فرصة للتعامل مع أكثر من مركز للسلطة والنفوذ. فالمؤسسات في الغرب تسيطر على مساحات من القرار السياسي والمالي، بينما يمتلك معسكر الشرق نفوذًا عسكريًا وجغرافيًا واسعًا، فضلًا عن تأثيره في مناطق حيوية لإنتاج وتصدير النفط. وقد دفع هذا الواقع قوى إقليمية ودولية إلى بناء قنوات متوازية مع الطرفين، بصرف النظر عن مسألة الاعتراف الرسمي.

وتنسجم التحركات الإسرائيلية السابقة مع هذا النمط؛ إذ ظهرت تقارير عن قنوات مع شخصيات في معسكر حفتر، فيما وصل التواصل مع الغرب إلى مستوى وزاري خلال لقاء نجلاء المنقوش وإيلي كوهين عام 2023. ويتيح تعدد مراكز القوة لإسرائيل الحفاظ على منافذ اتصال ومتابعة التحولات الداخلية من أكثر من اتجاه، لكنه يحد في الوقت نفسه من قدرتها على تحويل أي تفاهم مع طرف منفرد إلى سياسة ليبية مستقرة أو علاقة رسمية شاملة.

ثالثًا: انعكاسات الاهتمام الإسرائيلي على التوازنات الليبية والإقليمية

يتجاوز أثر الاهتمام الإسرائيلي حدود العلاقة المباشرة مع الفاعلين الليبيين؛ إذ يتداخل مع حسابات الشرعية والنفوذ داخل البلاد، ويضيف عنصرًا جديدًا إلى شبكة المساومات الإقليمية المحيطة بها، كما يمنح التسريبات المتعلقة بإسرائيل وزنًا خاصًا في المنافسة السياسية الداخلية. ويمكن رصد أبرز هذه الانعكاسات على النحو التالي:

• تعزيز القيمة التفاوضية للفاعلين الليبيين

تأتي محاولات فتح قنوات مع إسرائيل ضمن اتجاه أوسع لدى الفاعلين الليبيين، ولا سيما في الشرق، لتنويع شبكات الدعم الخارجي وتعزيز الحضور في العواصم المؤثرة، وقد ظهر ذلك خلال عام 2026 في توسع اتصالات معسكر حفتر مع واشنطن وعواصم إقليمية ودولية؛ إذ نسبت «رويترز» إلى مصادر باكستانية وجود ترتيبات مطروحة لإعادة توحيد السلطة تمنح صدام حفتر موقعًا متقدمًا في المجلس الرئاسي، فيما أسهم الدور الذي لعبته قوات حفتر في إطلاق رهينة أمريكي من قبضة تنظيم «داعش» في منطقة الساحل في تعزيز صورته كشريك أمني قادر على العمل خارج الحدود الليبية. كما وسع الاتحاد الأوروبي في أكتوبر تعامله المباشر مع شرق ليبيا في ملفات الهجرة وإدارة الحدود، رغم استمرار اعترافه الرسمي بحكومة الوحدة في طرابلس.

وفي هذا السياق، تكتسب أي قناة مع إسرائيل قيمة تتجاوز ملف التطبيع؛ إذ يمكن أن تدخل ضمن شبكة علاقات أوسع تستهدف رفع القدرة على الوصول إلى واشنطن وشركائها الإقليميين وتحسين الموقع التفاوضي في ترتيبات السلطة المقبلة. ويظهر ذلك بوضوح في التقارير الإسرائيلية منذ 2021، التي ربطت اتصالات صدام حفتر بطلب دعم سياسي ودبلوماسي. غير أن هذه القيمة الخارجية تصطدم بكلفة داخلية مرتفعة، وهو ما يجعل القنوات غير المعلنة أكثر قابلية للاستخدام من العلاقة الرسمية.

• توسيع دائرة المساومة الإقليمية حول ليبيا

يضيف دخول إسرائيل بصورة أكبر إلى الحسابات المرتبطة بليبيا مستوى جديدًا إلى توازنات إقليمية شديدة التشابك؛ ففي يوليو 2026، نقلت «جيروزاليم بوست» عن مصادر في البحرية الإسرائيلية تقديرًا يرى إمكان توسيع التنسيق مع مصر واليونان وقبرص لموازنة الحركة البحرية التركية، مع الإشارة صراحة إلى حساسية القاهرة تجاه التطورات في ليبيا. وفي الوقت نفسه، تعزز مصر علاقاتها المباشرة مع معسكر حفتر؛ فقد استقبل وزير الدفاع المصري صدام وخالد حفتر في يونيو، ثم استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي خليفة حفتر في أغسطس، مؤكدًا ارتباط أمن ليبيا واستقرارها بالمصالح المصرية.

ويجعل ذلك ليبيا ساحة أكثر تعقيدًا من أن تُقرأ وفق محاور ثابتة؛ فإسرائيل ترى إمكان تقاطع بعض مصالحها البحرية مع القاهرة في مواجهة تحركات تركية معينة، بينما تراقب مصر في الوقت نفسه اتساع الحضور الإسرائيلي في دوائر أخرى تمس أمنها، من شمال أفريقيا إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر. كما أن الإمارات تجمع بين علاقة وثيقة بمعسكر حفتر وشراكة استراتيجية مع إسرائيل، وهو ما يجعلها قناة محتملة لتقاطع هذه الشبكات. والنتيجة أن ارتفاع الاهتمام الإسرائيلي بليبيا يوسع دائرة الأطراف التي تدخل حساباتها في الملف، ويرفع القيمة الإقليمية لأي تغير في موازين الشرق أو الغرب.

• توظيف التسريبات في المنافسة الداخلية

تمنح الحساسية الليبية تجاه إسرائيل أي تسريب متعلق بالاتصال بها قدرة كبيرة على التأثير في الشرعية السياسية، وقد ظهر ذلك بوضوح في أزمة نجلاء المنقوش عام 2023؛ إذ أدى كشف لقائها وزير الخارجية الإسرائيلي إلى احتجاجات واسعة وإيقافها ثم إقالتها. وتؤكد بيانات الرأي العام استمرار هذه الحساسية؛ فقد أظهر «المؤشر العربي 2025» أن 96% من الليبيين يعارضون الاعتراف بإسرائيل، وهي أعلى نسبة رفض بين الدول التي شملها الاستطلاع تقريبًا.

وتأسيسًا على ذلك، تصبح التسريبات نفسها أداة قابلة للتوظيف داخل الصراع الليبي. فقد ظهرت رواية لقاء صدام حفتر ونتنياهو بعد أيام من اتهامات مرتبطة بـ«الخلية التخريبية» في الزاوية، ثم وصف مصدر عسكري في قوات الشرق نشر الرواية بأنه محاولة للتشويش على القيادة. وبغض النظر عن صحة هذا التفسير، تكشف الواقعة أن اقتران اسم فاعل ليبي بإسرائيل يمكن أن ينقل النقاش سريعًا من ملف أمني أو سياسي إلى قضية شديدة الحساسية جماهيريًا. ومن ثم، قد تتجاوز القيمة السياسية للتسريب قيمته الإثباتية؛ إذ يصبح وسيلة لإضعاف الخصوم، أو إحراجهم داخليًا، أو اختبار قدرتهم على تحمل كلفة علاقاتهم الخارجية

خاتمة

تكشف مسارات الاهتمام الإسرائيلي بليبيا عن انتقال تدريجي من قنوات اتصال محدودة ارتبطت في مراحل سابقة بحسابات الدعم السياسي وبناء العلاقات مع بعض الفاعلين، إلى اهتمام أكثر اتصالًا بموقع ليبيا داخل توازنات إقليمية أوسع. وقد أسهمت التحولات التي شهدتها البيئة المحيطة بالبلاد في رفع قيمتها داخل الحساب الإسرائيلي؛ سواء بحكم موقعها على الضفة الجنوبية للمتوسط، أو ارتباط ساحلها بترتيبات الطاقة والملاحة، أو اتساع الحضور الإسرائيلي في أفريقيا، فضلًا عن تزايد حساسية التنافس مع تركيا في شرق المتوسط وسوريا. وفي هذا السياق، يصبح الاهتمام بليبيا جزءًا من رؤية أوسع للمجال المحيط بإسرائيل، تتداخل فيها اعتبارات الأمن البحري والنفوذ الإقليمي وشبكات العلاقات مع القوى المحلية.

وفي الداخل الليبي، يمنح استمرار الانقسام وتعدد مراكز القوة هذا الاهتمام مساحة للحركة؛ إذ تستطيع الأطراف الخارجية بناء قنوات متوازية مع الشرق والغرب، فيما يسعى الفاعلون الليبيون أنفسهم إلى توظيف علاقاتهم الخارجية في تحسين مواقعهم التفاوضية وتوسيع دوائر الدعم. غير أن الحساسية المرتفعة تجاه إسرائيل تجعل هذه القنوات أكثر قابلية للعمل في المجال غير المعلن، كما تمنح أي تسريب بشأنها وزنًا سياسيًا يفوق أحيانًا القيمة الإثباتية للواقعة نفسها. وقد أظهرت أزمة المنقوش، ثم الجدل المرتبط برواية لقاء صدام حفتر ونتنياهو، كيف يمكن لملف الاتصال بإسرائيل أن يتحول سريعًا إلى عنصر في المنافسة الداخلية وصراع الشرعية.

وعليه، تتمثل أهمية ليبيا في الحسابات الإسرائيلية في كونها نقطة تقاطع بين المجال المتوسطي وشمال أفريقيا والدوائر المرتبطة بالأمن المصري والبحر الأحمر، إلى جانب كونها ساحة تتعدد فيها مراكز القرار وشبكات النفوذ الخارجي. ويظل حجم الحضور الإسرائيلي الفعلي مرتبطًا بمدى قدرة تل أبيب على تحويل المتابعة الأمنية وقنوات الاتصال إلى نفوذ مستدام داخل بيئة سياسية منقسمة وشديدة الحساسية تجاه أي علاقة معلنة معها. ومن ثم، يرجح أن يستمر التعامل الإسرائيلي مع ليبيا عبر قنوات انتقائية ومرنة، مع توظيف موقعها وتحولاتها ضمن حسابات إقليمية أوسع، أكثر من الاتجاه نحو مسار ثنائي مستقر في المدى القريب.

الرابط المختصر

استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.

https://lcsms.info/?p=950557
|تقارير وتقديرات|أوراق بحثية
  • تقدير الموقف
  • أوراق تحليلية
  • أبعاد الموقف
  • الإيجاز
  • قراءة تفصيلية
  • حصاد الشهر
  • أوراق بحثية
  • ترجمات

مقالات ذات صلة

إسرائيل وأرض الصومال.. إعادة هندسة القرن الأفريقي
إسرائيل وأرض الصومال.. إعادة هندسة القرن الأفريقي
السيادة الرقمية في حوكمة الاستحقاقات الوطنية خارطة طريق ميكنة العمليات الحزبية والائتلافات الانتخابية عبر منظومة ميثاق
السيادة الرقمية في حوكمة الاستحقاقات الوطنية خارطة طريق ميكنة العمليات الحزبية والائتلافات الانتخابية عبر منظومة ميثاق

مقالات ذات صلة

إسرائيل وأرض الصومال.. إعادة هندسة القرن الأفريقي
إسرائيل وأرض الصومال.. إعادة هندسة القرن الأفريقي
السيادة الرقمية في حوكمة الاستحقاقات الوطنية خارطة طريق ميكنة العمليات الحزبية والائتلافات الانتخابية عبر منظومة ميثاق
السيادة الرقمية في حوكمة الاستحقاقات الوطنية خارطة طريق ميكنة العمليات الحزبية والائتلافات الانتخابية عبر منظومة ميثاق