LCSMS
تابعنا

بحث متقدم
الرئيسية
الإنفوجرافيك
إصدارات المركز
LCSMS
تابعنا

بحث متقدم
  • الرئيسية
  • الإنفوجرافيك
  • إصدارات المركز
  • Toggle Theme

المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية

Mecidiyeköy, Istanbul, TurkeyP.O.Box 34387 +905548201002

https://libc.ly/

النشرة الدورية


جميع الحقوق محفوظة © 2024
تحالف الإمارات الهند إسرائيل في مواجهة تحالف السعودية باكستان تركيا
وحدة دراسات شرق أفريقيا
26.08.2026
82

تحالف الإمارات الهند إسرائيل في مواجهة تحالف السعودية باكستان تركيا

مقدمة

تشهد العلاقات الإقليمية مؤخرا تحولات متسارعة طالت حالة الانسجام الذي طبع سياسات كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لفترة طويلة. فـ بعد مرحلة من التنسيق الوثيق في عدد من القضايا الإقليمية، بدأت الفوارق بين مقاربتي البلدين بـ الظهور تدريجيا، خاصة في ملفات شديدة الحساسية، من بينها الحرب في اليمن والسودان، وترتيبات النفوذ العسكري والسياسي، إضافة إلى مسارات التنافس الاقتصادي والاستراتيجي. ورغم أن هذا التباين لم يؤدِي حتى الآن إلى تفكك التحالف القائم، فإنه غير طبيعته، إذ انتقلت العلاقة من شراكة قائمة على تطابق شبه كامل في الرؤى إلى علاقة مرنة تحكمها أولويات وطنية متباينة وحسابات خاصة بكل طرف.

ومنذ نهاية عام 2025، اتخذ هذا التحول بعدًا أوضح، مع بروز ملامح اصطفافين إقليميين متوازيين يعكسان تغيرا أعمق في بنية التحالفات القائمة. يتمثل الاصطفاف الأول في مسار تقوده السعودية، التي شرعت في الانتقال من سياسة إدارة التوازنات إلى نهج أكثر حسمًا يقوم على لعب دور قيادي مباشر في صياغة ترتيبات أمنية جديدة. ويستند هذا التوجه إلى اتفاقية الدفاع المشترك التي أبرمتها الرياض مع باكستان في سبتمبر 2025، في توقيت لافت جاء بعد أيام قليلة من التصعيد الإسرائيلي ضد قطر. ويزداد ثقل هذا المسار مع تصاعد المؤشرات الدالة على تقارب تركي متنامٍ مع الرياض وإسلام آباد، فضلًا عن مصر التي، رغم استمرارها في تبني مقاربة حذرة، تشهد سياستها الأمنية تقاطعا متزايدا مع الرؤية السعودية، لا سيما في ملفات السودان ومنطقة القرن الأفريقي.

في المقابل، لم تكتفي دولة الإمارات بالمتابعة وذهبت بدورها للبحث عن مسار آخر يوازن ذلك الذي تقوده السعودية يتمحور حول بناء شبكة تحالفات استراتيجية تربطها بكل من الهند وإسرائيل. وقد جسد الاتفاق الدفاعي الاستراتيجي الأخير بين أبو ظبي ونيودلهي هذا الخيار بوضوح. ورغم أن هذا الإطار الثلاثي تشكل في بداياته تحت مظلة دعم أمريكية خلال إدارة جو بايدن، وتعزز سياسيا مع الإعلان عن مشروع الممر الهندي– الشرق أوسطي– الأوروبي في قمة مجموعة العشرين بنيودلهي عام 2023، فإن التحولات اللاحقة في السياسة الأمريكية، وخاصة مع تغير أولويات واشنطن، الذي أدى لتقليص مستوى الانخراط المباشر.

كما أسهمت الخلافات مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بسبب انفتاحه على النفط الروسي، مقابل توجه دونالد ترامب الواضح نحو باكستان ومؤسستها العسكرية، في ترك إدارة هذا التحالف عمليًا بيد أطرافه الثلاثة.

وفي هذه الورقة سنسلط الضوء على تحالف السعودية وباكستان وأهميته ومدى فاعليته مع إمكانية انضمام تركيا، وتحالف الإمارات والهند واحتمال انضمام اسرائيل باعتباره ردا مباشرا على الخطوة السعودية ومدى جدية كلا التحالفين وتأثيرهم الفعلي على توازن الإقليم.

• التحالف السعودي – الباكستاني

في السابع عشر من سبتمبر 2025، وقع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بـ صفته رئيسا لمجلس الوزراء، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك في الرياض. وتنص الاتفاقية على اعتبار أي هجوم يستهدف أحد الطرفين بمثابة هجوم على الطرف الآخر، وتهدف إلى تعزيز أطر التعاون العسكري ورفع مستوى الردع المتبادل. وعلى الرغم من عدم الإعلان عن تفاصيل موسعة لبنود الاتفاق، فإن المؤشرات تفيد بأنه يشمل مختلف أوجه العمل العسكري، بدءًا من تنسيق القوات المسلحة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وصولًا إلى مجالات ترتبط بالقدرات النووية. كما يندرج هذا الاتفاق ضمن مساعي السعودية لتعزيز قدرتها على الاعتماد على الذات في المجال الدفاعي، عبر التعاون في الصناعات العسكرية، ونقل التكنولوجيا، والإنتاج المشترك، وبناء القدرات البشرية والتدريب.

ولا يمثل هذا التطور قطيعة مع الماضي، بل امتدادًا لـ شراكة أمنية متجذرة تعود إلى عقود طويلة. فمنذ معاهدة الصداقة الموقعة عام 1951، شكل التزام باكستان بـ حماية الحرمين الشريفين حجر الزاوية في العلاقة الثنائية، كما كانت السعودية من أوائل الدول التي قدمت دعما سياسيا واقتصاديا لباكستان عقب استقلالها عام 1947.

وخلال سبعينيات القرن الماضي، اضطلعت الرياض بدور محوري في دعم البرنامج النووي الباكستاني، في إطار توفير مظلة ردع محتملة للمملكة. وتشير تقارير استخباراتية إلى أن هذا الدعم بلغ مستويات مالية ضخمة، غالبًا عبر قنوات غير مباشرة، ما أضفى على التعاون بين الطرفين طابعا استراتيجيا بالغ الحساسية.

ومع الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979، اصطف البلدان ضمن المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، حيث لعبت باكستان دور القاعدة الخلفية لدعم الفصائل الأفغانية بتمويل سعودي، وهو ما عزز مستويات التنسيق والثقة المتبادلة، ورسخ اعتبار أمن الخليج مصلحة مشتركة.

وعلى مدى العقود اللاحقة، واصلت السعودية تقديم الدعم المالي لـ باكستان عبر القروض والمساعدات النفطية الميسرة، ما مكن إسلام آباد من تخفيف حدة أزماتها الاقتصادية المتكررة وتوجيه موارد إضافية لتطوير قدراتها العسكرية وبنيتها التحتية. كما شهدت ستينيات القرن الماضي أول انتشار لقوات باكستانية في السعودية، قبل أن تتعزز هذه الروابط عقب الثورة الإيرانية عام 1979 في ظل تصاعد المخاوف من مواجهة محتملة مع طهران. وخلال حرب الخليج الثانية، نشرت باكستان قوات عسكرية في المملكة لتأمين الحرمين الشريفين، ثم انضمت عام 2016 إلى التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب بقيادة السعودية.

ومع إطلاق رؤية السعودية 2030، توسعت مجالات التعاون لتشمل الطاقة والاستثمار والصناعات الدفاعية، حيث تجاوزت قيمة الاتفاقيات الثنائية (2.8) مليار دولار عام 2024. وعلى الصعيد العسكري، تكثفت التدريبات المشتركة، وتولى الجنرال الباكستاني المتقاعد رحيل شريف قيادة التحالف الإسلامي العسكري عام 2017. ورغم ما شهدته العلاقة من توترات محدودة، أبرزها أزمة القرض النفطي عام 2019 على خلفية الخلاف بشأن قضية كشمير، فإن التطورات الإقليمية الراهنة، ولا سيما الحرب في غزة وتصاعد التوتر الإسرائيلي، أعادت هذه الشراكة إلى الواجهة بوصفها أحد أهم أدوات الردع.

ويحمل الاتفاق الدفاعي الحالي جملة من الدلالات المباشرة. فهو يعزز الارتباط الأمني بين الخليج وجنوب آسيا، ويدخل باكستان، باعتبارها القوة النووية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة، طرفا فاعلا في معادلات أمن الخليج. كما يندرج بالنسبة للسعودية ضمن سياسة تنويع الشركاء والضمانات الدفاعية، في ظل تراجع الالتزام الأمريكي بأمن المنطقة، وفشل الرياض في الحصول على ترتيبات دفاعية ملزمة مع واشنطن، أو قدرات عسكرية نوعية مثل مقاتلاتF-35، فضلًا عن الدعم الأمريكي الواسع للسياسات الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر، والعجز عن منع استهداف قطر.

• الأهمية الاستراتيجية للتحالف السعودي – الباكستاني

في الرؤية الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية، تعد باكستان أقرب شريك غير عربي، وأحد أكثر الحلفاء موثوقية داخل العالم الإسلامي. ولا يقتصر هذا التقارب على الإطار الرسمي فحسب، بل يستند أيضا إلى قاعدة شعبية واسعة، إذ تشير تقديرات متعددة إلى أن نحو 95 % من الباكستانيين يحملون مواقف إيجابية للغاية تجاه السعودية، وهو ما يعكس عمق الارتباط المجتمعي إلى جانب العلاقات السياسية. ويكتسب هذا التحالف أهميته من امتلاك كل طرف عناصر قوة نوعية تجعل منه ركيزة أساسية في معادلات الأمن الإقليمي.

إذ تمتلك باكستان أحد أكبر الجيوش في العالم، وهي الدولة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة التي تمتلك سلاحا نوويا، ما يمنحها وزنا استراتيجيا استثنائيا في الحسابات السعودية، خاصة في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية. ورغم أن الدور الباكستاني في هذه المعادلة لا يحظى بتغطية كافية، فإنه يظل عنصرًا بالغ الأهمية. فـ كونها دولة نووية ذات قوات مسلحة هامة وقطاع دفاعي آخذ في التوسع، توفر إسلام آباد مصداقية ردعية وعمقا عملياتيا حقيقيا. كما أن تنامي صادراتها العسكرية إلى الشرق الأوسط وأفريقيا لا يقتصر على البعد التجاري، بل يعكس توظيفا استراتيجيا طويل الأمد لبناء شراكات أمنية مستدامة.

ويحتل الجيش الباكستاني المرتبة السابعة عالميا، وتمتلك إسلام آباد 1399 طائرة، تشمل 328 مقاتلة، و90 طائرة هجومية، و64 طائرة نقل وشحن، و565 طائرة تدريب، و27 طائرة للمهام الخاصة، و4 طائرات للتزود بالوقود، إضافة إلى 373 مروحية، من بينها 57 مروحية هجومية. وتتسم القوة الجوية الباكستانية بتنوع كبير في مصادر التسليح، إذ تشغل مقاتلات صينية وأميركية ومحلية، ما يجعلها من بين الأكثر تطورا في آسيا. وتشمل هذه المنظومة مقاتلات F-16 الأمريكية إلى جانب مقاتلات CAC/PAC JF-17 Thunder المطورة محليا بتقنيات صينية، فضلا عن طائرات ميراج الفرنسية وJ-10C الصينية.

وتتمتع المقاتلات الباكستانية بقدرات عالية في القتال الجوي والضربات الأرضية، لا سيما في الاشتباكات مع طائرات من الفئة نفسها، وفي المناورات على الارتفاعات المتوسطة والمنخفضة. كما تستطيع حمل مجموعة واسعة من الأسلحة المتقدمة، تشمل صواريخ نشطة بعيدة المدى تتجاوز مدى الرؤية وصواريخ قصيرة المدى تعمل بالأشعة تحت الحمراء عالية المناورة، إضافة إلى صواريخ جو – بحر، وصواريخ مضادة للإشعاع، وذخائر موجهة بالليزر، وقنابل مخصصة لاختراق مدارج المطارات، إلى جانب ذخائر دقيقة بمديات مختلفة.

بحريًا، يشكل أسطول الغواصات الباكستاني العمود الفقري لقدراتها البحرية الاستراتيجية، ويتألف من 5 غواصات تعمل بالديزل والكهرباء، من بينها غواصتان من طراز Agosta 70 و3 غواصات من طراز Agosta- 90B مطورة جزئيا. وتعد غواصات Agosta هجومية بطبيعتها، وتسلح بصواريخ 4× Aerospatiale SM-39 Exocet، فضلًا عن 4 أنابيب طوربيد مقاس 21 بوصة.

على المستوى البري، تحتل القوات البرية الباكستانية المرتبة السابعة عالميا، وتمتلك 2627 دبابة، وأكثر من 17 ألف مركبة عسكرية، و662 مدفعا ذاتي الحركة، و2629 مدفعا مقطورا، و600 راجمة صواريخ.

وتعد باكستان من أكثر الدول استثمارًا في مجال الصواريخ العسكرية، إذ تشير بيانات موقع Missile Threat التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن الترسانة الصاروخية الباكستانية تشكل عنصرا محوريا في استراتيجيتها الدفاعية لتعويض التفوق التقليدي الذي تتمتع به الهند. وتشمل هذه القدرات صواريخ فرط صوتية، وصواريخ جوالة، وصواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية.

وأُعلنت باكستان رسميا دولة نووية عام 1998 بعد إجراء أولى تجاربها النووية العلنية في 28 مايو من ذلك العام. ووفق تقديرات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، يبلغ عدد الرؤوس النووية الباكستانية نحو 170 رأسا حتى يناير 2025، مع استمرار تطوير منصات الإطلاق البرية والبحرية والجوية.

فيما تشير مجلة Bulletin of the Atomic Scientists إلى أن هذا العدد قد يرتفع إلى نحو 200 رأس نووي بحلول نهاية العقد الجاري. وفي المقابل، تنطلق السعودية من منطق براغماتي مماثل. فلم تعد الرياض تكتفي بدور أمني تفاعلي، بل تسعى، في إطار رؤية 2030، إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي، وتنويع شراكاتها، والانتقال من موقع الاعتماد على الضمانات الخارجية إلى موقع التأثير المباشر في مخرجات الإقليم.

ويخدم توسيع التعاون الدفاعي مع باكستان، مع إدماج تركيا ضمن هذا المسار، هذا الهدف بصورة مباشرة. ولا تتطلع السعودية لإنشاء تحالف مغلق، بل لبناء منصة أمنية مرنة يمكن تفعيلها سياسيا، وربما عسكريا، في أوقات الأزمات.

وتمتلك السعودية أحد أكثر الجيوش تطورا في المنطقة، حيث تحتل المرتبة 22 عالميًا وفق تصنيف موقع Global Fire power، إلى جانب امتلاكها ترسانة صاروخية متقدمة. وتضم قواتها الجوية 917 طائرة، تشمل 283 مقاتلة، و81 طائرة هجومية، و49 طائرة نقل وشحن، و202 طائرة تدريب، و16 طائرة للمهام الخاصة، و22 طائرة للتزود بالوقود، إضافة إلى 264 مروحية، من بينها 34 مروحية هجومية، بحسب بيانات موقع WDMMA.

وقد أولت السعودية اهتمامًا خاصًا بتطوير قوتها الجوية، إذ تمتلك أكثر من 300 مقاتلة، معظمها من طراز F-15 الأمريكية. وتعد النسخة السعودية F-15SA من بين الأكثر تطورا عالميا ضمن هذا الطراز. وإلى جانب الاستيراد، شهدت الصناعات الدفاعية السعودية تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة، من خلال شراكات مع شركات دفاعية دولية كبرى.

بحريا، تمتلك السعودية أسطولا يضم 34 قطعة بحرية، تشمل 11 فرقاطة، و9 كورفيتات، و9 زوارق دورية، ويعتمد الأسطول السطحي بشكل رئيسي على فرقاطات الرياض الفرنسية المطورة من فئة لافيات، وكورفيتات Avante الإسبانية الحديثة.

بريا، تحتل السعودية المرتبة 20 عالميا، وتمتلك 840 دبابة، وأكثر من 19 ألف مركبة عسكرية، و332 مدفعا ذاتي الحركة، و467 مدفعا مقطورا، و321 راجمة صواريخ. وتعد دبابة القتال الرئيسية M1A2S Abrams الأمريكية العمود الفقري للقوة البرية السعودية.

بالنسبة للرياض وإسلام آباد، يعمل هذا الاتفاق كـ أداة موازنة في مواجهة الاصطفافات القائمة. فـ السعودية تسعى إلى تحييد تهديدات إيران وإسرائيل، بينما تبحث باكستان عن تعزيز ردعها في مواجهة الهند. وعلى نطاق أوسع، يسهم الاتفاق السعودي – الباكستاني في دفع الولايات المتحدة نحو مزيد من الابتعاد عن غرب المحيط الهندي، مقابل اقتراب نسبي للصين من المشهد عبر شريكها الباكستاني. وبالنسبة للسعودية، يعزز الاتفاق قدراتها الردعية في ظل تراجع الضمانات الأمنية الأميركية، كما يشكل تعميق العلاقات مع باكستان، القريبة من بكين، أداة تحوط استراتيجية.

غير أن هذا التحول يعقد مسار الشراكة السعودية – الهندية، ويثير تساؤلات حول الثقة السياسية اللازمة لدفع مشروع IMEC بوصفه بديلا لمبادرة " الحزام والطريق " الصينية.

أما بالنسبة لـ باكستان، فـ يحمل الاتفاق أبعادا مزدوجة من الفرص والمخاطر. فمن جهة، يعيد تثبيت مكانتها كـ القوة النووية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة، ويعزز دورها كـ شريك أمني مركزي للرياض، ويوفر لها قنوات تمويل سعودية مهمة في ظل أوضاع اقتصادية هشة. ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى تصعيد التوتر مع واشنطن ونيودلهي، اللتين تنظران بقلق إلى العقيدة النووية الباكستانية وبرنامجها الصاروخي. فـ بينما يعزز الاتفاق حضور باكستان في معادلات الخليج، قد يدفع الهند إلى تشديد جهودها لعزل إسلام آباد دبلوماسيا، ويثير في الوقت نفسه مخاوف أمريكية وإسرائيلية متزايدة بشأن انتشار الأسلحة النووية، واحتمال فرض قيود أو عقوبات جديدة تستهدف برامج الصواريخ الباليستية الباكستانية.

• تركيا تلتحق بهذا التحالف

منذ توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان، بدأ يتصاعد حديث واسع في الأوساط السياسية والإعلامية حول احتمال انضمام تركيا إلى هذا الإطار الناشئ. ومع غياب أي إعلان رسمي يؤكد أو ينفي هذه الفرضية، سارع بعض المراقبين إلى توصيفه إعلاميا بـ “ الناتو الإسلامي "، في توصيف يعكس حجم التحولات المحتملة أكثر مما يعكس حقيقة قائمة. غير أن هذا الجدل لم يبق في نطاق التكهنات، إذ بدأت خلال الأسابيع الأخيرة تتسرب تصريحات متزامنة مع الاستعداد لزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية ثم مصر، ما أعاد ملف التحالف إلى واجهة المشهد الإقليمي.

وقد زار الرئيس أردوغان السعودية في 7 اغسطس، في زيارة تأتي وسط زخم متزايد حول انضمام أنقرة إلى معاهدة الدفاع المشترك التي تجمع الرياض وإسلام آباد. ووفق ما نقلته وسائل إعلام تركية، اجتمع أردوغان بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وانصب اللقاء على ملفات التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية، إضافة إلى الطاقة والتجارة وقضايا إقليمية. وتشير تقارير متداولة إلى أن مصر قد تكون حاضرة في هذا المسار أيضا، مع ترجيحات بأن تتوسع المعاهدة الدفاعية لاحقا لتشمل القاهرة.

وهذا المسار عززه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قبل ذلك، والذي أكد قبل أيام من زيارة الرئيس اردوغان أن بلاده تجري محادثات مع السعودية وباكستان للانضمام إلى المعاهدة، موضحا أن " المشاورات والمفاوضات لا تزال في مراحلها الأولية، ولم يتم توقيع أي اتفاق بعد ". في المقابل، صرح وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني رضا حيات هيراج في نفس الوقت بأن مسودة تحالف دفاعي يضم باكستان والسعودية وتركيا قد أُنجزت، وأن المشاورات مستمرة للتوصل إلى صيغة نهائية تمهد للتوقيع الرسمي. وسط ترقب إقليمي ودولي لما قد ينتج عن هذا التكتل من ثقل عسكري ودفاعي واقتصادي وسياسي، بل وحتى رمزي ديني، بما قد يجعله أحد أكثر التحالفات تأثيرا في خريطة الإقليم.

وتنظر أنقرة إلى الاتفاقية الدفاعية التي وقعت في الرياض في أيلول/سبتمبر 2025 بين السعودية وباكستان باعتبارها محطة مفصلية. فـ الاتفاق يجمع بين باكستان، الدولة النووية ذات الجيش القوي، والسعودية، القوة الاقتصادية والسياسية الأبرز في المنطقة، وهو ما ينعكس بالضرورة على موازين القوى الإقليمية والدولية.

غير أن الجاذبية التركية لا تكمن في الالتزامات الصلبة بقدر ما تكمن في هامش المناورة. فـ تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، وقوات عسكرية خاضت تجارب ميدانية متعددة، إلى جانب صناعة دفاعية تشهد نموا متسارعا. كما أن التعاون العسكري التركي – الباكستاني قائم بالفعل، ويشمل برامج بحرية، وتحديث الطائرات، والمناورات المشتركة، ومشاريع الإنتاج المشترك. وبالنسبة لأنقرة، تعد باكستان شريكا دفاعيا مألوفا ومنخفض المخاطر.

والعلاقات بين البلدين وثيقة ومتعددة المستويات، فـ تركيا تبني سفن كورفيت للبحرية الباكستانية، وتعمل على تحديث عشرات طائرات F-16 التابعة لسلاح الجو الباكستاني، كما تستعد لإنشاء مصنع للطائرات المسيرة داخل باكستان. وفي المقابل، أبرمت السعودية عام 2023 صفقة مع تركيا لشراء طائرات بيرقدار أكينجي المسيرة. وتسعى أنقرة إلى جذب كل من السعودية وباكستان للانضمام إلى برنامج مقاتلتها الوطنية من الجيل الخامس "كآن"، وهو ما من شأنه تسريع المشروع وتخفيف أعبائه التمويلية.

أما السعودية، فتمثل بعدا مختلفا في الحسابات التركية. فـ خلال السنوات الخمس الماضية، أعادت أنقرة، بحذر، ترميم علاقاتها مع الرياض بعد قطيعة حادة. ويطرح أردوغان اليوم سياسة خارجية تركز على الاستقرار والتجارة والأطر الإقليمية بدل الاستقطابات الأيديولوجية. وفي هذا السياق، يتيح الارتباط بإطار أمني سعودي – باكستاني لـ تركيا توسيع حضورها الإقليمي وتعزيز ردعها الاستراتيجي، دون المساس بعضويتها في الناتو أو التورط في التزامات دفاعية تلقائية.

وانضمام تركيا، سيشكل إضافة نوعية للتحالف. فـ أنقرة تحتل المرتبة الأولى إقليميًا والمرتبة 11 عالميا في تصنيف أقوى الجيوش، والمرتبة 16 عالميًا من حيث الإنفاق الدفاعي، بميزانية تتجاوز 18 مليار دولار. ويبلغ تعداد قواتها أكثر من 60 ألف عسكري، إضافة إلى أكثر من 400 ألف عسكري احتياطي، ما يضعها في المرتبة الثامنة عالميا من حيث القوة البشرية.

وتمتلك القوات البرية التركية نحو 4500 دبابة وأكثر من 112 ألف مركبة مدرعة، إلى جانب 512 راجمة صواريخ متعددة الإطلاق. أما سلاح الجو، الذي يضم 1065 طائرة عسكرية بين مقاتلة ومروحية ونقل وتدريب، فيحتل المرتبة التاسعة عالميا، مدعوما بمنظومة رادارات متقدمة وقدرات دفاع جوي تشمل 5600 بطارية صواريخ مضادة للطائرات، إضافة إلى بطاريات باتريوت الأمريكية.

بحريا، يحتل الأسطول التركي المرتبة 20 عالميا بعدد 145 قطعة بحرية، تشمل 16 فرقاطة و9 كورفيتات و11 كاسحة ألغام و12 غواصة. وتعد تركيا صاحبة أقوى قوة بحرية في شرق المتوسط، إذ تمتلك أكثر من 300 سفينة عسكرية موزعة على ثماني قواعد بحرية. كما تضم أساطيل الإنزال 26 سفينة من طراز LCM302، و30 سفينة EDIC LCT، وسفنا برمائية قادرة على نقل مئات الجنود والدبابات، من بينها السفينة "عصمان غازيّ وسفينتا "أرطغرول".

خلاصة المشهد أن هذا التحالف يقوم على ثلاثة أعمدة، الردع النووي والقدرات العسكرية الباكستانية، الثقل المالي والسياسي السعودي، والتكنولوجيا الدفاعية والخبرة العملياتية التركية. وتتجسد ملامحه أولا عبر خطوات عملية منخفضة السقف، مثل التدريبات المشتركة والشراكات الصناعية وتمويل الصادرات الدفاعية، قبل إعلان رسمي لبرنامج ترتيبات دفاع جماعي.

التحالف الإماراتي الهندي الإسرائيلي

وفي خضم التحالف الـ تركيا - السعودي ــ الباكستاني جاء الرد الإماراتي سريعا، فقد وقعت الإمارات العربية المتحدة والهند خطاب نوايا يهدف إلى إنشاء شراكة دفاعية استراتيجية، بما يعزز علاقاتهما الثنائية المتنامية بسرعة. ففي الـ 19 من يناير 2026 وبدعوة من رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، أدى رئيس الإمارات محمد بن زايد زيارة رسمية إلى الهند. ورغم قِصر مدة الزيارة، التي لم تتجاوز ثلاث ساعات ونصف تقريبا، فإنها انتهت إلى مخرجات اقتصادية ودفاعية لافتة، شملت توقيع ثلاث خطابات نيات في مجالات الاستثمار والفضاء والدفاع، إلى جانب توقيع اتفاقية في مجال الطاقة، ومذكرة تفاهم بشأن سلامة الأغذية، فضلا عن سبع إعلانات رسمية في مجالات متعددة، من أبرزها مضاعفة حجم التبادل التجاري الثنائي ليصل إلى مائتي مليار دولار بحلول عام 2032، وتعزيز التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية. ووقعت الهند اتفاقية لاستيراد 500 ألف طن غاز طبيعي مسال سنويا من الإمارات لمدة عشر سنوات بدءا من عام 2028، بالإضافة إلى خطاب نوايا لإبرام اتفاقية إطارية للشراكة الدفاعية الاستراتيجية. بينما تعهدت الإمارات باستثمار مبلغ غير معلن في ولاية غوجارات لتطوير منطقة استثمارية متكاملة تشمل المطارات والموانئ والمدن الذكية.

وأثارت زيارة محمد بن زايد للهند جدلا واسعا بالنظر إلى مدتها وتوقيتها. فقد حصلت بصورة مفاجئة، إذ أن الخارجية الهندية لم تعلم بتاريخ الزيارة إلا قبل يوم واحد من وصول الرئيس الإماراتي إلى الهند، أي في الـ 18 من يناير 2026. علاوة على ذلك لم تستغرق الزيارة سوى ثلاث ساعات من وقت وصول محمد بن زايد إلى قاعدة بالام الجوية إلى حين مغادرته بعد اجتماعه مع مودي عائدا إلى بلاده.

أما بالنسبة إلى توقيت الزيارة فـ تأتي في ظل تصاعد التوترات بين الإمارات والسعودية بشأن اليمن والسودان في الأشهر الأخيرة، وذلك بسبب اختلاف نهجيهما تجاه الصراع فيهما، حيث بلغت التوترات ذروتها وظهرت إلى العلن في ديسمبر 2025، بعد أن شن المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات عمليات عسكرية قرب حدود السعودية مع اليمن، فردت الرياض بقصف ما وصفته بشحنة أسلحة تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي مصدرها الإمارات، وطالبت القوات الإماراتية بمغادرة اليمن.

كما اتهمت الرياض أبو ظبي بتشجيع الأعمال الانفصالية التي تهدد الأمن السعودي، واتهمت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض أبو ظبي بإدارة سجن سري داخل قاعدة جوية قرب مدينة المكلا الساحلية جنوبي اليمن وهي مزاعم نفتها الإمارات، كما أعلنت سحب قواتها من اليمن.

وفي يناير 2026 قصفت طائرات سعودية مواقع المجلس الانتقالي الجنوبي بعد أن تغيب زعيمه عيدروس الزبيدي عن المحادثات في الرياض. وقام المجلس الرئاسي اليمني بعزل الزبيدي ووجه إليه تهمة الخيانة، ثم اتهم التحالف الذي تديره السعودية في اليمن الإمارات بتهريب الزبيدي من اليمن عبر الصومال إلى أبو ظبي. وفي إطار آخر، قام الصومال بإلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع الإمارات بما في ذلك اتفاقيات الموانئ والتعاون الدفاعي والأمني.

ورغم عدم تقديم هذه الشراكة بوصفها تحالفا عسكريا تقليديا، فإنها تعكس بوضوح استراتيجية إماراتية تقوم على تنويع الشركاء الاستراتيجيين خارج الإطار الخليجي وبناء توازنات جديدة استجابة للتحالفات الإقليمية المستجدة.

ولم تتأخر وسائل الإعلام الإسرائيلية في وصفه بتحالف ثلاثي بين إسرائيل والهند والإمارات. فـ التعاون الدفاعي والاستخباراتي بين الهند وإسرائيل عميق ومتجذر، ويشمل الطائرات المسيرة، والصواريخ، والحرب الإلكترونية، والقدرات السيبرانية. أما الإمارات، فقد برزت تدريجيا كـ أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين للهند في غرب آسيا.

ويتوافق هذا التعاون مع المشهد الذي أفرزته " اتفاقات أبراهام "، حيث باتت إسرائيل ودول عربية محورية تتعاون علنا. وبالنسبة لأبو ظبي، تمثل الهند موازنا للنفوذ السعودي وشريكا موثوقا. أما بالنسبة للهند، فـ الإمارات بوابة إلى غرب آسيا وأفريقيا ورأس المال العالمي. وقد لخص الصحفي الأمريكي مايكل فاتيكييوتيس هذا التحول بدقة عندما كتب أن الهند تشكل محورا جيوسياسيا جديدا مع الإمارات وإسرائيل لموازنة التشكيل التركي – السعودي – الباكستاني، مضيفا أن هذه الاصطفافات " نتيجة مباشرة لتراجع القوة الأمريكية والأوروبية ".

ويبدو أن الإمارات بهذه الخطوة ماضية في تنفيذ ما وصف إعلاميا بـ " استراتيجية محاصرة المنطقة العربية بنظرية قوس الأزمات ". وهي مقاربة تستلهم بشكل غير مباشر نظرية " قوس الأزمات " التي صاغها مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي في أواخر السبعينيات، والتي قامت على إدارة الفوضى على أطراف الخصوم بدلا من الصدام المباشر. وهي تستهدف أساسا مراكز الثقل العربي، وفي مقدمتها السعودية ومصر، عبر سياسات استنزاف جغرافي واستراتيجي تمتد من اليمن والبحر الأحمر إلى القرن الإفريقي وليبيا وسوريا. وهي تنفذ هذا المخطط بمساعدة خبراء إسرائيليين. وهو ما يفسر ترحيب الكيان الصهيوني بالاتفاقية التي نفذتها أبو ظبي مع الهند.

• الحذر الهندي والخوف من خسارة السعودية

على الرغم من الضجة الإعلامية الكبيرة التي صاحبَت توقيع الاتفاقية الإماراتية –الهندية، اتخذت نيودلهي موقفا متحفظا، إدراكا منها أن أي تعاون دفاعي مباشر مع الإمارات قد يترك أثرا على الجالية الهندية الكبيرة في السعودية. وفي تصريح له، أكد وكيل وزارة الخارجية الهندية، فيكرام ميسري، أن خطاب النوايا بشأن التعاون الدفاعي لا يعني انخراط الهند في صراعات إقليمية، مؤكدا حرص بلاده على عدم الإضرار بعلاقاتها مع الرياض.

وتدرك الهند أن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة ينعكس مباشرة على الأمن الاقتصادي الهندي، حيث يعد الخليج مصدرا للطاقة وفضاء للعمالة الهندية، وعقدة محورية في معادلة الأمن الاقتصادي الهندي. وتعتمد الهند على دول الخليج لتلبية أكثر من ثلاثة أرباع احتياجاتها من النفط والغاز، إضافة إلى وجود جالية هندية تقدر بنحو تسعة ملايين نسمة في دول مجلس التعاون، تشكل مصدرا حيويا للتحويلات المالية والاستقرار الاجتماعي.

وتخشى الهند الخصم التاريخي لإسلام آباد، أيضا أن يؤدي هذا التحول الجيوسياسي إلى تأثيرات على شراكتها الاقتصادية مع السعودية. فـ الهند تستورد من المملكة ما يقارب 18 بالمئة من احتياجاتها من الطاقة، بينما تنظم الدولتان بانتظام مناورات بحرية وبرية مشتركة.

كما أن الاتفاق الأولي لمشروع IMEC وقع بين الرياض ونيودلهي عام 2023، في إطار أدفأ مراحل التعاون السعودي – الهندي، والتي تميزت بتعميق تجارة الطاقة، وتبادل الزيارات السياسية رفيعة المستوى، وتنظيم تدريبات عسكرية مشتركة.

وتخشى نيودلهي من أن احتضان الرياض لإسلام آباد قد يحد من مكانتها كـ شريك آسيوي رئيسي للمملكة، لا سيما أن مشروع IMEC، الذي يفترض أن تصبح السعودية والإمارات فيه محورا يربط الهند بأوروبا، قد يفقد زخمه إذا اتجهت السياسات الاستراتيجية للمملكة نحو باكستان. وحتى في حال استمرار التعاون التجاري، ستصبح الثقة السياسية أكثر هشاشة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الممر كـ موازن لمبادرة " الحزام والطريق "، لا سيما وأن السعودية عضو في هذه المبادرة الصينية.

من جهة أخرى، يثير الاتفاق قلق الجهاز الأمني الهندي، إذ قد يشجع التحالف باكستان على مزيد من التشدد في منافستها مع الهند. ورغم تأكيد المسؤولين السعوديين أن الاتفاق لا يستهدف نيودلهي، إلا أن رمزية ارتباط الرياض رسميا بإسلام آباد يعزز الحذر الهندي. ويشير محللون إلى أن هذا التطور قد يسرع أيضا الشراكة الدفاعية بين الهند وإسرائيل، والتي تتقاسم بالفعل تعاونا استخباراتيا وتسليحيا متقدما.

وهكذا، من المرجح أن يؤدي تصاعد الانطباع بوجود محور أمني سعودي – باكستاني إلى تعزيز التقارب الاستراتيجي بين الهند وإسرائيل. وبينما يرجح أن تتجنب الهند أي قطيعة علنية مع الرياض، وقد تلجأ إلى إعادة ضبط سياستها الخارجية بهدوء، عبر تعزيز علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين، في إطار نهجها القائم على " تعدد الاصطفافات ".

تحوط لا مواجهة

الأكيد أن توجه الإمارات لتوقيع اتفاقية بكل ذلك الثقة مع الهند ليس إلا ردا قويا ومباشرا على تحالف السعودية - باكستان والذي انضمت اليه تركيا فيما بعد وربما مصر بعد ذلك أيضا. والأكيد أن الرياض تريد تمرير رسالة إلى جارتها أبو ظبي في ظل تضارب الرؤى والمصالح إلى حد الصراع، ولكن المؤشرات على الأرض تثبت بدورها أن هذه التحالفات لن تتجاوز حدود الحيطة لا أكثر.

فـ أنقرة والرياض وإسلام آباد لديهم جميعا حوافز للحفاظ على علاقات عملية مع طيف واسع من الفاعلين الإقليميين، بمن فيهم أبو ظبي. كما أن الترابط الاقتصادي، وتدفقات الاستثمار، والتوازنات الدبلوماسية تجعل المواجهة المباشرة أمرا غير مرجح. وما يتشكل في الواقع يمكن فهمه على نحو أدق باعتباره تحوطا في مواجهة عدم الاستقرار والفراغ الاستراتيجي. فـ خطاب الدفاع المشترك أقل أهمية من الرسالة التي تبعث بها القوى الإقليمية التي باتت أكثر استعدادا للتنسيق فيما بينها بدل الاعتماد الحصري على ضامنين خارجيين.

كما أن الشريك الأمني الجديد لـ السعودية، تركيا، لا يزال على تقارب وثيق مع الإمارات. لذلك فإن هذه الصفقات الأمنية الجديدة لن تحدث قطيعة حقيقية تتجاوز إطار السعودية والإمارات.

كما أن الإمارات تعد حليفا وثيقا للولايات المتحدة وتستضيف عدة قواعد عسكرية أمريكية، وبدوها تعززت العلاقات الأميركية - السعودية أيضا مع الإعلان عن عدة صفقات ضخمة خلال الزيارات المتبادلة بين ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وفي ضوء كل ذلك، يتوقع أن يكون تأثير صفقات الدفاع الجديدة محدودا.

خاتمة

الخلاصة، لا يمكن التعامل مع اتفاق السعودية وباكستان وتركيا بوصفه اصطفافا عابرا فرضته لحظة إقليمية مضطربة، ولا التحالف الإماراتي مع الهند وإسرائيل بـ اعتباره رد فعل مباشر أو موازنة ظرفية. ما تشهده المنطقة هو تحول بنيوي في منطق بناء التحالفات ذاتها، حيث لم تعد التحالفات تبنى حصريا على الانتماءات الجغرافية أو التقاطعات الأيديولوجية، بل على مزيج معقد من المصالح الأمنية، والتفوق التكنولوجي، والقدرة على النفاذ إلى سلاسل القيمة العالمية.

فـ في حين يسعى المحور السعودي – الباكستاني – التركي إلى ترسيخ ثقله عبر عناصر القوة الصلبة، مستندا إلى العمق العسكري والسكاني والمكانة الرمزية، تختار الإمارات مسارا مختلفا يقوم على إعادة تعريف مفهوم الأمن، من خلال الشراكات العابرة للأقاليم، والرهان على التكنولوجيا المتقدمة، والارتباط الوثيق بمراكز الابتكار والقوة غير التقليدية.

ويعكس هذا التباين في المقاربات إدراكا متزايدًا لدى الفاعلين الإقليميين بأن البيئة الدولية لم تعد تسمح بهيمنة محور واحد أو بضمانات أمنية ثابتة، في ظل انكفاء نسبي للقوى الكبرى وتزايد منطق المنافسة بين القوى المتوسطة. وبدلا من ذلك، تتجه المنطقة نحو نموذج من تعددية المحاور المتداخلة، حيث تتقاطع التحالفات وتتزاحم دون أن تتبلور في شكل كتل مغلقة، ما يفتح المجال أمام توازنات مرنة، لكنها في الوقت نفسه أكثر هشاشة وقابلية للاهتزاز.

وعليه، فإن مستقبل الاستقرار الإقليمي لن يحسم عبر انتصار محور على آخر، بقدر ما سيتحدد بمدى قدرة هذه القوى على إدارة التنافس، وضبطه، وتحويله من صراع صفري إلى تنافس محسوب يعيد رسم خرائط النفوذ دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة، في منطقة باتت تعيش على إيقاع إعادة تعريف مستمرة لمعنى القوة والتحالف والدور الإقليمي.

الرابط المختصر

استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.

https://lcsms.info/?p=1451597
|منتدى أفريقيا للسلم والدفاع|وحدة دراسات شرق أفريقيا
  • مختارات
  • أوراق بحثية
  • وحدة دراسات شرق أفريقيا
  • وحدة دراسات جنوب الصحراء
  • المرصد الإفريقي
  • ترجمات

مقالات ذات صلة

التحول الجيوسياسي في حوض النيل والقرن الأفريقي.. التورط الإثيوبي في السودان وتداعياته عن الأمن القومي المصري
التحول الجيوسياسي في حوض النيل والقرن الأفريقي.. التورط الإثيوبي في السودان وتداعياته عن الأمن القومي المصري
الشرق الأوسط في آتون حرب الخليج الثالثة بعد أكثر من ثلاث اسابيع من عملية "الغضب الملحمي"
الشرق الأوسط في آتون حرب الخليج الثالثة بعد أكثر من ثلاث اسابيع من عملية "الغضب الملحمي"
مصفوفة مهددات الأمن القومي.. والانكشاف الجيو استراتيجي في ظل صراع حرب الخليج 2026
مصفوفة مهددات الأمن القومي.. والانكشاف الجيو استراتيجي في ظل صراع حرب الخليج 2026
مثلث الاستباحة.. تقدير استراتيجي حول مخطط تفكيك السودان من العمق الإثيوبي
مثلث الاستباحة.. تقدير استراتيجي حول مخطط تفكيك السودان من العمق الإثيوبي
تطورات الأزمة في السودان ومستقبلها  (نوفمبر 2025)
تطورات الأزمة في السودان ومستقبلها (نوفمبر 2025)
تطورات الوضع في السودان.. أغسطس 2025
تطورات الوضع في السودان.. أغسطس 2025
جنوب السودان: من حلم الاستقلال إلى كابوس الفوضى
جنوب السودان: من حلم الاستقلال إلى كابوس الفوضى

مقالات ذات صلة

التحول الجيوسياسي في حوض النيل والقرن الأفريقي.. التورط الإثيوبي في السودان وتداعياته عن الأمن القومي المصري
التحول الجيوسياسي في حوض النيل والقرن الأفريقي.. التورط الإثيوبي في السودان وتداعياته عن الأمن القومي المصري
الشرق الأوسط في آتون حرب الخليج الثالثة بعد أكثر من ثلاث اسابيع من عملية "الغضب الملحمي"
الشرق الأوسط في آتون حرب الخليج الثالثة بعد أكثر من ثلاث اسابيع من عملية "الغضب الملحمي"
مصفوفة مهددات الأمن القومي.. والانكشاف الجيو استراتيجي في ظل صراع حرب الخليج 2026
مصفوفة مهددات الأمن القومي.. والانكشاف الجيو استراتيجي في ظل صراع حرب الخليج 2026
مثلث الاستباحة.. تقدير استراتيجي حول مخطط تفكيك السودان من العمق الإثيوبي
مثلث الاستباحة.. تقدير استراتيجي حول مخطط تفكيك السودان من العمق الإثيوبي
تطورات الأزمة في السودان ومستقبلها  (نوفمبر 2025)
تطورات الأزمة في السودان ومستقبلها (نوفمبر 2025)
تطورات الوضع في السودان.. أغسطس 2025
تطورات الوضع في السودان.. أغسطس 2025
جنوب السودان: من حلم الاستقلال إلى كابوس الفوضى
جنوب السودان: من حلم الاستقلال إلى كابوس الفوضى