معضلة التقارب النخبوي في بيئة الانقسام.. قراءة في سوسيولوجيا الرفض المجتمعي والمؤسسي للقاء ” صدام – الزوبي ” وتداعياته على مستقبل توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا

وحــــــــدة أبحــــــاث الأمـــــــن القومـــــي
المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية
لإعادة البناء تحتاج ليبيا الي وضع قواعد استراتيجية عليا، تكون واضحة المعالم تنعكس على الواقع المحلي، لـ تحويل الجيش الليبي من حالة الانقسام إلى مؤسسة وطنية محترفة، يكون فيها بناء مفهوم العقيدة والقيادة، والانتقال من نموذج ” القائد الفرد ” (المنتشر في الشرق)، ونموذج ” تحالف المليشيات ” (المنتشر في الغرب)، إلى نموذج ” القيادة بـ المهمة ” القائم على الاحترافية.
وهذا يتطلب صياغة ميثاق الشرف العسكري، لتكون الوثيقة التي تحدد ولاء الجيش لـ الوطن والدستور، وتمنع التدخل في السياسة. والعمل على تطوير فيلق ضباط الصف واستهداف صغار الرتب في المجموعات المسلحة وإخضاعهم لبرامج تعليم عسكري مكثف لـ تحويلهم إلى ضباط صف محترفين يلتزمون بالتراتبية العسكرية وتسلسل القيادة.
استشراف مستقبل الاستقرار في ظل “التقارب الهجين“
بناءً على المعطيات الواردة في هذا التقرير، يمكن لنا في ” المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية “، من رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة لمالات التقارب العسكري والرفض المجتمعي المرافق له:
السيناريو الأول: ترسيخ ” تحالف النخب ” (السيناريو المرجح)
استمرار التنسيق بين صدام حفتر والدبيبة برعاية أمريكية – إيطالية، مما يؤدي إلى هدوء عسكري طويل الأمد واستقرار في إنتاج النفط، وفي هذا السيناريو، يتم استيعاب الرفض المجتمعي عبر ” الرشاوي المالية ” (مشاريع الإعمار، الرواتب، الاعتمادات) وتهميش القوى الثورية الراديكالية.
السيناريو الثاني: الانفجار الداخلي (سيناريو المخاطر العالية)
وفي هذا السيناريو، تزايد حدة الرفض الشعبي في الغرب الليبي وتحوله إلى حراك مسلح تقوده المجموعات الرافضة للزوبي والدبيبة، وقد يؤدي هذا إلى اندلاع ” حرب أهلية داخل الغرب “، بين الموالين لـ الصفقة والمعارضين لها، مما يطيح بـ كامل المسار العسكري ويعيد البلاد إلى حالة الصراع الشامل.
السيناريو الثالث: التوحيد ” الفني ” مع بقاء الانقسام السياسي (السيناريو الأقل ترجحا)
نجاح مناورات فلينتلوك في خلق ” نواة جيش ” مشتركة تتولى مهام محدودة (أمن الحدود، مكافحة داعش)، مع بقاء القيادات السياسية والعسكرية منقسمة في بنغازي وطرابلس، وهذا السيناريو يمثل ” إدارة للأزمة ” بدلاً من حلها، ويحافظ على الوضع القائم لـ فترة طويلة.
استنتاجات وتوصيات
إن تحليل ظاهرة الرفض المجتمعي للقاء صدام – الزوبي يكشف عن عمق الفجوة بين ” طموحات النخبة ” و”تطلعات القاعدة “، وإن الرهان على الشخصيات العسكرية القوية (صدام والزوبي) كـ مدخل لـ التوحيد قد يوفر استقراراً تكتيكياً، ولكنه يفتقر إلى ” الشرعية الأخلاقية والسياسية ” اللازمة لبناء استقرار مستدام. وبالتالي يمكن استخلاص الاتي:
- إن التقارب الحالي هو ” صفقة مصالح “، مدفوعة بـ ضغوط دولية (أمريكية بالدرجة الأولى)، ومصالح اقتصادية عائلية.
- الرفض الشعبي والمؤسسي في الغرب الليبي هو ” عائق بنيوي “، لا يمكن تجاوزه بـ مجرد المصافحات البروتوكولية أو المناورات العسكرية المشتركة.
- توحيد المؤسسة العسكرية يواجه خطر ” التسيس والتوريث “، مما ينفر القوى المهنية داخل الجيش والقوى الثورية في المجتمع.
- الملف المالي (النفط والإنفاق الموحد)، هو الضامن الوحيد حالياً لاستمرار التقارب، ولكنه ما يزال يفتقر لـ الشفافية والمحاسبة.
ويري ” المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية “، التوصيات الاتية:
- ضرورة وجود مسار موازي، فـ لا يمكن لـ التقارب العسكري أن ينجح دون مسار سياسي شفاف، يقود لانتخابات وطنية، تمنح الشرعية لأي ترتيبات أمنية قادمة. ويعمل علي إدماج القوى الرافضة، وفتح قنوات حوار مع التيارات الثورية، والقوى الاجتماعية في مصراتة والزاوية وطرابلس، لـ فهم مخاوفهم ودمجها في الرؤية الأمنية الموحدة.
- تحييد المؤسسة القضائية، فـ يجب العمل دولياً ومحلياً على حماية القضاء من التجاذبات السياسية، لـ يكون حكماً نزيهاً في المرحلة الانتقالية.
- الرقابة على الإنفاق، وتفعيل أدوات الرقابة المالية على مشاريع الإعمار والإنفاق الموحد، لـ ضمان عدم تحولها لـ وسيلة لـ شراء الولاءات السياسية.
ختاماً، يظل لقاء ” صدام والزوبي ” في سرت، اختباراً حقيقياً لـ مستقبل ليبيا كـ دولة موحدة، فإما أن يكون بداية لـ جيش وطني مهني يتجاوز الأشخاص، أو يكون مجرد ” إعادة تموضع ” لـ نخبة عسكرية ومالية، تسعى لتأبيد سلطتها على حساب تطلعات شعب يطمح لـ الدولة المدنية والعدالة الانتقالية.
لتحميل الملف من هنا ….