الممر الروسي من ليبيا إلى مالي حدود القوة العسكرية وعودة الجزائر إلى معادلة الساحل
الملخص التنفيذي
تبحث هذه الورقة في الوظيفة الإقليمية المتنامية لـ الوجود العسكري الروسي في ليبيا، وعلاقته بالعمليات الروسية في مالي، وحدود قدرة موسكو على تحويل البنية اللوجستية والقوة العسكرية إلى نفوذ سياسي مستقر في منطقة الساحل. وتنطلق الورقة من التطورات التي أعقبت الهجوم الواسع الذي شنته " جماعة نصرة الإسلام والمسلمين " و " جبهة تحرير أزواد " في مالي يوم 25 أبريل2026. فقد قُتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، وتعرضت مواقع عسكرية في مناطق عدة لهجمات متزامنة، ثم انسحبت القوات المالية وعناصر " فيلق أفريقيا " الروسي من كيدال وتيساليت وأغلهوك. وأظهرت هذه التطورات محدودية قدرة الدعم الروسي على الاحتفاظ بالمناطق الشمالية، رغم دوره الحاسم في حماية المجلس العسكري المالي.
وبعد الهجوم، سهّلت موسكو، وفق معلومات نشرتها Africa Intelligence، نقل معدات عسكرية جوًا من ليبيا إلى مالي، لكنها تحركت بـ التوازي لإعادة فتح قنوات الاتصال بين الجزائر وباماكو، مستعينة بالكونغو والنيجر وتوغو. وانتهت هذه التحركات في يوليو بإعادة السفراء وفتح المجال الجوي بين البلدين.
تخلص الورقة إلى أن روسيا نجحت في بناء شبكة لوجستية مرنة داخل ليبيا تسمح بـ استقبال المعدات والأفراد وإعادة توجيههم نحو الساحل. وتظهر صور الأقمار الاصطناعية أعمال تطوير في قواعد ليبية، من بينها الجفرة وتمنهنت ومعطن السارة وبراك الشاطئ، بما يعزز قدرة موسكو على إسقاط القوة جنوبًا. لكن هذه الشبكة لا تمنحها القدرة المنفردة على إدارة الصراعات السياسية والاجتماعية في شمال مالي. وتكشف عودة الجزائر إلى المعادلة أن الجغرافيا الحدودية، وقنوات الاتصال مع بعض الفاعلين في شمال مالي، والقدرة على تسهيل التهدئة أو الانسحاب، ما زالت عوامل لا يستطيع «فيلق أفريقيا» تعويضها.
أما بالنسبة إلى ليبيا، فإن أهم نتيجة هي أن الوجود الروسي لم يعد مرتبطًا بالتوازنات الداخلية الليبية وحدها، بل أصبح جزءًا من بنية استراتيجية تمتد من جنوب المتوسط إلى الساحل. ويهدد هذا التحول بـ تحويل المنشآت الليبية إلى أدوات لعمليات إقليمية لا تخضع لقرار الدولة، كما يزيد من صعوبة معالجة ملف القوات الأجنبية ضمن أي تسوية سياسية أو أمنية مستقبلية.
الكلمات المفتاحية: ليبيا، روسيا، فيلق أفريقيا، مالي، الجزائر، الساحل، القواعد العسكرية، الأمن القومي الليبي.
مقــدمة
قدمت التحركات الروسية الأخيرة بين الجزائر ومالي صورة لـ موسكو بوصفها قوة قادرة على الجمع بين حليفين إقليميين متخاصمين. فـ الجزائر شريك عسكري قديم لروسيا، بينما أصبحت مالي واحدة من أكثر الدول الأفريقية اعتمادًا على موسكو في المجال الأمني بعد انسحاب القوات الفرنسية والأوروبية. ولكن توقيت التطبيع يطرح قراءة مختلفة.
فقد تحركت الدبلوماسية الروسية بعد ضربة عسكرية كبيرة تعرض لها المجلس العسكري المالي وحلفاؤه الروس، وبعد انسحابهم من مواقع في شمال مالي، رغم وصول دعم عسكري عبر ليبيا وفق معلومات صحفية. ولم تكتف موسكو بـ الضغط المباشر على باماكو، بل استعانت بعدة عواصم أفريقية لإعادة الجزائر إلى ملف حاول المجلس العسكري المالي إدارته بالقوة. ولا تقتصر أهمية هذه التطورات على العلاقات الجزائرية – المالية؛ فـ هي تكشف طبيعة المشروع الروسي الممتد من ليبيا إلى الساحل، والفارق بين ثلاثة مستويات من النفوذ:
• القدرة على إنشاء بنية لوجستية.
• القدرة على حماية نظام حليف.
• القدرة على فرض تسوية سياسية وأمنية مستقرة.
وتجادل هذه الورقة بأن موسكو حققت تقدمًا واضحًا في المستويين الأول والثاني، لكنها ما زالت تواجه قيودًا كبيرة في المستوى الثالث. فـ القواعد والمطارات الليبية تسمح بنقل القوة، و " فيلق أفريقيا " يساعد في حماية النظام المالي، لكن إدارة شمال مالي تحتاج إلى أدوات سياسية وحدودية ومحلية تملك الجزائر جزءًا مهمًا منها.
سؤال الورقة
إلى أي مدى مكّنت البنية العسكرية الروسية في ليبيا موسكو من إسقاط القوة نحو مالي، ولماذا لم تلغِ هذه القدرة الحاجة إلى الدور الجزائري في إدارة أزمة شمال الساحل؟
الفرضية
تمتلك روسيا شبكة لوجستية تربط مواقعها في ليبيا بـ عملياتها في الساحل، لكنها تمنحها القدرة على دعم الحلفاء وإدارة الأزمات العسكرية، ولا تمنحها القدرة المنفردة على إنتاج تسويات سياسية أو تجاوز القوى الإقليمية ذات النفوذ الجغرافي والمحلي، وفي مقدمتها الجزائر.
المنهجية
تعتمد الورقة على:
• البيانات الرسمية الجزائرية والمالية.
• تغطيات وكالات الأنباء والصحافة الدولية.
• دراسات المصادر المفتوحة وصور الأقمار الاصطناعية.
• تقرير Africa Intelligence الصادر في 14 يوليو 2026.
• تحليلين نشرهما الباحث والصحفي الجزائري المتخصص في شؤون الدفاع أكرم خريف عقب هجمات أبريل.
وتتعامل الورقة مع المعلومات غير المؤكدة من أكثر من مصدر، ولا سيما ما يتعلق بـ القنوات الخلفية والتفاهمات غير المعلنة، بوصفها مؤشرات تحليلية تحتاج إلى التحفظ، لا حقائق نهائية.
أولًا: من اتفاق الجزائر إلى القطيعة
ترجع جذور الأزمة إلى انهيار اتفاق السلام والمصالحة الذي وقعته الحكومة المالية والحركات المسلحة الشمالية عام 2015 بعد مفاوضات قادتها الجزائر. وفر الاتفاق إطارًا لخفض القتال، وإعادة دمج المقاتلين، ومنح الشمال ترتيبات سياسية وتنموية أوسع. لكنه لم يُنفذ بصورة كاملة، وظل الطرفان يتبادلان الاتهامات بتعطيل بنوده. وفي يناير 2024، أعلنت السلطة العسكرية في باماكو إنهاء الاتفاق " بأثر فوري "، واتهمت الحركات المسلحة بعدم الوفاء بالتزاماتها، كما اتهمت الجزائر بـ القيام بأعمال وصفتها بالعدائية. وردت الجزائر بـ التحذير من أن تغليب الخيار العسكري يهدد وحدة مالي ويزيد مخاطر الحرب الأهلية وعدم الاستقرار الإقليمي.
عكس القرار تغيرًا في فلسفة الحكم لدى المجلس العسكري المالي. فبدل إدارة صراع الشمال من خلال تسوية سياسية تفاوضية، راهنت باماكو على استعادة المناطق بـ القوة، بالاعتماد على الدعم الروسي الذي حل تدريجيًا محل الشراكة العسكرية مع فرنسا والقوى الأوروبية. وتحول الخلاف السياسي إلى قطيعة مفتوحة ليلة 31 مارس إلى الأول من أبريل 2025، عندما أسقطت الجزائر طائرة مسيرة مالية قرب تين زويتن. وقالت الجزائر إن الطائرة المسلحة اخترقت مجالها الجوي، بينما قالت مالي إن الحطام وجد داخل أراضيها، على مسافة نحو 9.5 كيلومترات من الحدود. واستدعت مالي والنيجر وبوركينا فاسو سفراءها من الجزائر، قبل أن تتخذ الجزائر خطوات مقابلة، ويغلق الطرفان المجال الجوي بينهما.
لم يكن الخلاف متعلقًا بـ حدود المجال الجوي فقط. فقد مثلت المسيّرة جزءًا من حملة مالية – روسية ضد الجماعات الموجودة في الشمال، في حين رفضت الجزائر اقتراب عمليات عسكرية أجنبية أو مالية من حدودها من دون تنسيق معها. وبذلك دخلت العلاقات في صراع بين تصورين:
• تصور مالي يرى أن السيطرة العسكرية على الشمال مسألة سيادية داخلية.
• وتصور جزائري يعتبر أن ما يحدث في شمال مالي يمس مباشرة أمن الحدود والتوازنات المحلية والإقليمية.
ثانيًا: هجوم أبريل واختبار النموذج الروسي
في 25 أبريل 2026، شنت " جماعة نصرة الإسلام والمسلمين "، بالتعاون مع “جبهة تحرير أزواد "، واحدة من أوسع العمليات المنسقة التي شهدتها مالي في السنوات الأخيرة. واستهدفت الهجمات مواقع عسكرية قرب باماكو وفي مناطق شمالية ووسطى، كما طالت محيط مطار العاصمة. وقُتل وزير الدفاع ساديو كامارا بعد هجوم بسيارة مفخخة على مقر إقامته في كاثي، وأصيب عناصر روس خلال المواجهات.
لم يكن مقتل كامارا خسارة أمنية عادية؛ فقد كان من أبرز الشخصيات المرتبطة بتحول مالي من التعاون العسكري مع فرنسا إلى الشراكة مع موسكو. وتولى رئيس المجلس العسكري عاصيمي غويتا حقيبة الدفاع بنفسه بعد مقتله، في مؤشر على حجم الفراغ الذي خلفه الهجوم داخل بنية السلطة. وأعقبت الهجوم انسحابات مالية – روسية من مواقع رئيسية في الشمال. خرجت القوات من كيدال، ثم تيساليت، وبدأت الانسحاب من أغلهوك، مع تركيز أكبر للقوات الروسية في الوسط والجنوب وحول المراكز الحيوية للنظام. تكشف هذه التحركات تحولًا في وظيفة " فيلق أفريقيا ". فـ بدل أن يكون أداة لفرض السيطرة على كامل الشمال، أصبح دوره أقرب إلى:
• منع انهيار المجلس العسكري.
• حماية باماكو والمواقع المركزية.
• دعم الجيش المالي في المعارك ذات الأولوية.
• الحد من الخسائر الروسية في المواقع النائية.
وهذا لا يعني فشلًا روسيًا شاملًا. فـ قد بقيت موسكو الشريك الأمني الأهم لـ باماكو، ولم يبدأ انسحاب عام لقواتها من مالي. لكنه يعني أن قدرتها على حماية النظام لا تساوي قدرتها على السيطرة المستقرة على المجال المالي كله.
ثالثًا: ما الذي كتبه أكرم خريف عن الهجوم؟
نشر أكرم خريف في 26 أبريل، أي بعد ساعات من الهجوم، تحليلًا بعنوان: " ماذا يقول صمت الجزائر عن أحداث مالي؟ ".
رأى خريف أن الصمت الجزائري لم يكن مجرد حذر دبلوماسي، بل قد يعكس إدراكًا في الجزائر بأن نتائج الهجوم أعادت إظهار الحاجة إلى دورها، بعدما حاولت باماكو تهميشه وإلغاء اتفاق 2015. واعتبر أن الانتشار السريع لـ الهجمات على مساحة واسعة كشف حدود القوة النارية الروسية أمام عمليات متحركة وموزعة جغرافيًا. ووصف وضع " فيلق أفريقيا " في الشمال بأنه بالغ الصعوبة، في ظل الضغط على كيدال، والعزلة اللوجستية في أغلهوك، وتضرر القدرات الروسية في غاو.
وطرح خريف فرضية وجود تفاهمات خلفية تسمح بـ خروج القوات الروسية من بعض المناطق من دون مهاجمتها. واستند في ذلك إلى بيان منسوب إلى تنظيم " الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى " تحدث عن اتصالات بين الروس و " جماعة نصرة الإسلام والمسلمين "، إضافة إلى ما وصفه بـ معلومات عن رسائل نقلتها الجزائر إلى موسكو لتسهيل الانسحاب من الشمال. لكن خريف نفسه أشار إلى أن هذه المعلومات لم تكن مؤكدة علنًا وقت نشر تحليله. لذلك لا يمكن التعامل معها باعتبارها إثباتًا مستقلًا لوجود اتفاق روسي – جهادي أو تفاهم رسمي تقوده الجزائر.
لاحقًا، قدمت صحيفة لوموند معلومات أكثر تحديدًا. فقد نقلت عن مصادر عسكرية ووسطاء وقيادات في " جبهة تحرير أزواد " أن انسحاب القوات الروسية جرى بموجب تفاهم يمنع مهاجمتها، وأن الجزائر ساعدت في تسهيل الترتيب لتجنب معارك دامية وإبعاد القوات الأجنبية عن حدودها. ولا يزال هذا الترتيب منسوبًا إلى مصادر الصحيفة، ولم تعلنه الجزائر أو روسيا رسميًا. تكمن أهمية تحليل خريف في أنه التقط مبكرًا التحول الأساسي في المعادلة: أصبح الدور الجزائري مفيدًا لموسكو نفسها، لا للحركات الأزوادية وباماكو فقط. فـ في لحظة التوسع العسكري الروسي، كانت الجزائر تبدو عائقًا أمام عمليات باماكو. لكن في لحظة الانسحاب وإدارة الخسائر، تحولت القنوات الجزائرية إلى أداة تساعد موسكو على تقليل كلفة المواجهة.
رابعًا: ليبيا داخل البنية اللوجستية الروسية
بعد هجمات أبريل، عززت موسكو دعمها للمجلس العسكري المالي. ووفق تقرير Africa Intelligence، سهّل عناصر روس وصول معدات عسكرية بالطائرات من ليبيا إلى مالي، بالتزامن مع عمليات إعادة الانتشار في الشمال. وأضاف التقرير أن موسكو واجهت اختلالات كبيرة في سلسلة الإمداد لدى القوات المسلحة المالية، إلى جانب استمرار هشاشة المجلس العسكري، وهو ما دفعها إلى استخدام أدوات سياسية بالتوازي مع الدعم العسكري. لا يوجد حتى الآن توثيق علني مستقل لكل رحلة أو شحنة قيل إنها انتقلت من ليبيا إلى مالي بعد هجوم أبريل. لكن هناك أدلة أوسع تؤكد أن البنية الروسية في ليبيا مؤهلة لخدمة عمليات خارج الحدود. فـ في يونيو 2026، نشر مشروع Tear line، المعتمد على تحليل صور الأقمار الاصطناعية والمصادر المفتوحة، دراسة عن تطوير قواعد جوية ليبية يوجد فيها حضور روسي معلن أو مرجح منها:
• الجفرة
رصدت الدراسة إعادة بناء حظائر متضررة، وإضافة منشآت قرب مناطق وقوف الطائرات، وتطوير سياجات وسواتر ومرافق دعم بين 2024 و2026. وتشير طبيعة الإنشاءات وموقعها إلى رفع قدرة القاعدة على استقبال الطائرات وصيانتها وإسنادها.
• تمنهنت
أظهرت الصور أعمال تعبيد وتطوير لـ الطرق والمدرج، وإنشاء منشآت يرجح استخدامها لإقامة الأفراد والخدمات، إلى جانب أعمال مرتبطة بالاتصالات. وقدّرت الدراسة أن تحسين المدرج يمكن أن يكون مهيا لاستقبال طائرات أكبر وأثقل.
• معطن السارة
تكتسب القاعدة أهمية خاصة بسبب موقعها في جنوب شرق ليبيا قرب حدود تشاد والسودان. رصدت صور الأقمار الاصطناعية إعادة تعبيد المدرج وساحة الطائرات، وإنشاء خمس حظائر، وإضافة عشرات المنشآت التي يرجح استخدامها لـ الإقامة أو الدعم. كما أشارت الدراسة إلى استخدام الطائرات الروسية القاعدة محطة لـ التزود بـ الوقود قبل التوجه نحو غرب أفريقيا والساحل، استنادًا إلى تقارير بحثية مفتوحة.
• براك الشاطئ
أظهرت الصور إنشاء حظيرة ومبانٍ جديدة قرب مناطق الطائرات، إلى جانب منشآت محتملة لـ الصيانة وتخزين قطع الغيار. كما أشارت تقارير مفتوحة إلى زيادة الوجود الروسي في القاعدة ووصول إمدادات بطائرات شحن عسكرية.
وتخلص دراسة Tear line إلى أن تمركز روسيا في القواعد الليبية يمنحها نقطة انطلاق للشحنات والعمليات في شمال أفريقيا والساحل، ويعزز في الوقت نفسه وجودًا عسكريًا قريبًا من الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي. ولهذا لا ينبغي تصور " الممر الروسي" على أنه طريق جوي واحد ثابت بين مطارين محددين. الأدق أنه شبكة مرنة تشمل:
• موانئ لاستقبال المعدات.
• قواعد جوية لـ التخزين والصيانة.
• مدارج لطائرات النقل.
• منشآت لإقامة الأفراد.
• محطات وسيطة لإعادة التوزيع نحو الجنوب.
وبذلك أصبحت ليبيا قاعدة خلفية لـ المشروع الروسي في أفريقيا، لا مجرد ساحة منفصلة لدعم طرف ليبي محلي.
خامسًا: هل الجزائر جزء من الممر الروسي؟
في الأول من مايو، نشر أكرم خريف تحليلًا آخر انتقد فيه تقريرًا صحفيًا وصف الجزائر بأنها " مركز لوجستي " للشحنات الروسية في أفريقيا. واستند التقرير المنتقد إلى رصد 167 رحلة شحن بين روسيا والجزائر خلال 13 شهرًا، وإلى رحلات واصلت طريقها من الجزائر نحو دول أفريقية يوجد فيها نشاط روسي. ولكن خريف رأى أن هذه البيانات، رغم صحتها التقنية، لا تكفي لإثبات وجود بنية لوجستية مخصصة لـ " فاغنر " أو " فيلق أفريقيا ". وأشار إلى أن الجزائر تعتمد منذ عقود على الطائرات والمروحيات والأسلحة الروسية، ما يجعل رحلات قطع الغيار والصيانة والتسليم أمرًا متوقعًا في العلاقة العسكرية بين البلدين.
كما شدد على أن وصف دولة بأنها " مركز " لوجستي يتطلب إثبات وجود وظيفة منظمة ومتعمدة، مثل الاتفاقات، والبنية التشغيلية، والتنسيق الرسمي، والرحلات المنتظمة المخصصة لهذا الغرض. وبرأيه، لم يقدم التحقيق وثائق أو شهادات تثبت تعاون الجزائر مع " فيلق أفريقيا " في إدارة عملياته. وهذه الملاحظة مهمة للتمييز بين حالتين:
في الحالة الليبية: توجد قواعد تستضيف حضورًا روسيًا مباشرًا، وبنية تحتية يجري تطويرها، ومنشآت مرتبطة باستقبال الطائرات والأفراد والمعدات، إضافة إلى علاقات عسكرية مع سلطات الأمر الواقع في شرق البلاد. لذلك يمكن الحديث عن عقدة تشغيلية روسية بدرجة أكبر.
اما في الحالة الجزائرية: توجد علاقة عسكرية طويلة مع موسكو، ورحلات شحن مرتبطة بـ التسليح والصيانة، وربما رحلات عبور. لكن الدولة الجزائرية تملك قرارًا سياديًا مستقلًا، ولا توجد أدلة علنية كافية على أنها وضعت قواعدها تحت تصرف " فيلق أفريقيا " لإدارة عملياته في الساحل. بل يرى خريف أن موقف الجزائر من التحركات الروسية – المالية قرب " تين زويتن " يناقض فكرة كونها شريكًا لوجستيًا خاضعًا لـ المشروع الروسي. ويقول إن الجزائر استخدمت الضغط والمراقبة العسكرية لمنع اقتراب العمليات من حدودها. وهذه قراءة تحليلية تعبّر عن موقفه، وتحتاج تفاصيلها التشغيلية إلى مزيد من التحقق المستقل. وبذلك يصبح التمييز أساسيًا: ليبيا توفر لـ روسيا البنية التشغيلية، بينما توفر الجزائر -عندما تتقاطع المصالح- قناة سياسية وحدودية، من دون أن تصبح جزءًا تابعًا من البنية الروسية.
سادسًا: لماذا لا تكفي القوة القادمة من ليبيا؟
توفر القواعد الليبية لموسكو القدرة على نقل معدات ومقاتلين ودعم جوي. لكن معارك مالي أثبتت أن القدرة على الوصول إلى ساحة الحرب لا تساوي القدرة على التحكم فيها. حيث تواجه القوات المالية وحلفاؤها أربع مشكلات بنيوية:
1- اتساع مسرح العمليات
حيث يمتد الصراع عبر مساحات صحراوية شاسعة، وتتعرض القواعد والقوافل وخطوط الإمداد لهجمات متفرقة ومتزامنة. ويصعب الاحتفاظ بكل مدينة وموقع من دون وجود عسكري كبير وشبكة محلية موثوقة.
2- مرونة الخصوم
جمع هجوم أبريل بين قدرات " جبهة تحرير أزواد " المحلية ومعرفتها بـ الجغرافيا وبين قدرة " جماعة نصرة الإسلام والمسلمين " على الحركة والتجنيد وتنفيذ الهجمات المتزامنة. ولا يعني هذا التطابق الكامل بين المشروعين، لكنه أنتج تعاونًا عملياتيًا ضد عدو مشترك.
3- هشاشة المؤسسات المالية
تكشف الحاجة إلى وجود روسي مباشر عن محدودية قدرة الجيش المالي على العمل باستقلالية، خصوصًا في الإمداد والاستطلاع والدعم الجوي وحماية القواعد النائية. وقد أشارت Africa Intelligence إلى أن الاختلالات اللوجستية كانت من العوامل التي دفعت موسكو إلى استكشاف أدوات سياسية.
4- الكلفة السياسية والإنسانية
تواجه القوات المالية وشركاؤها الروس اتهامات متكررة بإيقاع خسائر في صفوف المدنيين. وفي يوليو، قالت " هيومن رايتس ووتش " إن ضربة مرتبطة بـ “فيلق أفريقيا " قتلت ثمانية مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال، في قرية كيرنيا. ولم تتمكن رويترز من التحقق بصورة مستقلة من الواقعة، كما لم ترد موسكو وباماكو على طلبات التعليق وقت نشر التقرير.
وتؤدي هذه الاتهامات، في حال استمرارها، إلى إضعاف شرعية الدولة وتوفير بيئة تجنيد لـ الجماعات المسلحة، حتى عندما تحقق القوات الحكومية مكاسب ميدانية مؤقتة. ولذلك تستطيع روسيا نقل القوة من ليبيا، ودعم المجلس العسكري، واستعادة مواقع، لكنها لا تستطيع بالسلاح وحده:
• حل أزمة التمثيل والهوية في الشمال.
• إعادة بناء الثقة بين السكان والدولة.
• إنشاء إدارة محلية مقبولة.
• عزل الجماعات الجهادية عن البيئات الاجتماعية.
• ضبط الحدود العابرة للدول.
سابعًا: الجزائر كـ قوة حدودية وقناة سياسية
لا تنبع أهمية الجزائر من قدرتها على فرض اتفاق 2015 مجددًا؛ فـ الاتفاق القديم لم يعد قابلًا لـ العودة بـ صيغته السابقة، بعد تغير الفاعلين وموازين القوى. ولكن الجزائر تحتفظ بأربع أدوات رئيسية:
• الجغرافيا
فـ الجزائر تمتلك حدودًا طويلة مع شمال مالي، وتتعامل مع أي تصعيد قربها بوصفه تهديدًا مباشرًا لأمنها، لا أزمة خارجية بعيدة.
• قنوات الاتصال
تحافظ الجزائر على علاقات مع شخصيات وقوى سياسية وأزوادية، كما تستضيف معارضين ماليين، بينهم الإمام محمود ديكو. ويمنحها ذلك قدرة على تمرير الرسائل أو تسهيل ترتيبات محدودة لا تملكها باماكو أو موسكو مباشرة.
• الخبرة التاريخية
تراكم لدى الأجهزة والدبلوماسية الجزائرية فهم للفاعلين المحليين وشبكاتهم وعلاقاتهم القبلية والسياسية، حتى لو لم تعد تملك النفوذ الذي تمتعت به عند توقيع اتفاق 2015.
• القدرة على الرفض
ليست الجزائر دولة تعتمد على الحماية الروسية. فهي تستطيع رفض عمليات أو ترتيبات تراها مهددة لأمنها، حتى مع استمرار علاقتها العسكرية بموسكو. ووفق Africa Intelligence، احتفظت الجزائر بتأثير هادئ لدى بعض مسؤولي "جبهة تحرير أزواد "، مع تأكيدها عدم امتلاك قنوات مع " جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ". كما تتوقع من المجلس العسكري المالي تعديل مقاربته في الشمال وعدم الاعتماد على الخيار العسكري وحده.
وبالتالي فإن، هذه العوامل لا تمنح الجزائر " حق فيتو " مطلقًا، لكنها تجعل بناء ترتيب مستدام في شمال مالي من دونها أكثر كلفة وأقل قابلية للاستمرار.
ثامنًا: شبكة الوساطة الروسية
يشير تقرير Africa Intelligence إلى أن موسكو بدأت منذ أواخر أبريل تحركًا استمر نحو ثمانية أسابيع لإعادة فتح الاتصال بين الجزائر وباماكو. ودخل الملف في محادثات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس الكونغو دينيس ساسو نغيسو خلال زيارة الأخير إلى روسيا بين 28 أبريل و2 مايو. وبعد عودته إلى برازافيل، شُكل فريق لـ العمل على التقارب بين البلدين، وبحث إمكانية فتح قناة بين السلطة المالية و" جبهة تحرير أزواد ". كما استعانت موسكو بـ النيجر. فـ بعد تحسن العلاقة بين الجزائر ونيامي، شجع رئيس المجلس العسكري النيجري عبد الرحمن تياني غويتا على استئناف الحوار مع الجزائر، انطلاقًا من أن دول تحالف الساحل لا تستطيع تحمل قطيعة طويلة مع جارها الشمالي.
وأدى توغو دورًا مشابهًا، بينما استخدم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف زيارته إلى نيامي في يوليو لـ الدفع باتجاه تعاون أكبر بين تحالف دول الساحل والجزائر، وفق التقرير نفسه. وانتهت التحركات بإعادة فتح المجال الجوي في 10 يوليو. ثم أعلنت مالي إعادة سفيرها إلى الجزائر وفتح أجوائها أمام الرحلات المدنية والعسكرية القادمة من الجزائر أو المتجهة إليها، بينما قررت الجزائر إعادة سفيرها إلى باماكو. ولكن هذا التطبيع بقي محدودًا؛ فلم تعلن باماكو العودة إلى اتفاق الجزائر، ولم يظهر إطار تفاوضي جديد، ولم تتوقف العمليات العسكرية. ولهذا يمكن تفسير التحرك الروسي باعتباره إدارة لأزمة داخل شبكة النفوذ الروسي، لا حلًا نهائيًا لها. فـ موسكو كانت مطالبة بالتوفيق بين:
• حليف مالي يعتمد عليها أمنيًا.
• شريك جزائري تاريخي لا تستطيع الضغط عليه بـ الطريقة نفسها.
• مشروع روسي أوسع يحتاج إلى الحد الأدنى من الاستقرار بين شمال أفريقيا والساحل.
تاسعًا: التداعيات على الأمن القومي الليبي
تكمن أهمية الورقة بـ النسبة إلى ليبيا في أن الأراضي الليبية لم تعد مجرد ساحة تنافس داخلي أو دولي، بل أصبحت جزءًا من هندسة أمنية عابرة للحدود. من أهمها:
1- تآكل السيادة على القواعد والمجال الجوي
استخدام المنشآت الليبية لنقل معدات أو أفراد نحو دول أخرى يعني أن جزءًا من النشاط العسكري المنطلق من ليبيا يجري خارج رقابة مؤسسات الدولة ودون تفويض وطني موحد. وكلما توسعت الوظيفة الإقليمية لهذه القواعد، ازدادت صعوبة إخضاعها لاحقًا لقرار الدولة أو إدراجها ضمن تسوية عسكرية داخلية.
2- تحول ليبيا إلى طرف غير معلن في صراعات الساحل
إذا انطلقت شحنات عسكرية من الأراضي الليبية إلى مالي، فإن ليبيا تصبح عمليًا جزءًا من سلسلة الإمداد في صراع خارجي، حتى في غياب قرار رسمي ليبي. وقد يخلق ذلك تداعيات تشمل:
• ردود فعل من الجماعات المسلحة.
• زيادة نشاط الاستخبارات الأجنبية.
• تعرض منشآت ليبية للضغط أو الاستهداف.
• استخدام الملف الليبي كـ ورقة في التفاوض بين روسيا والقوى الغربية والإقليمية.
3- زيادة أهمية الجنوب الليبي
تمنح مواقع مثل تمنهنت وبراك الشاطئ ومعطن السارة جنوب ليبيا قيمة استراتيجية مضاعفة. فهي تقع قرب طرق تربط البلاد بـ تشاد والنيجر والسودان، ويمكن استخدامها في النقل الجوي والبري وإعادة الإمداد. ولكن زيادة القيمة الاستراتيجية لا تعني زيادة أمن المنطقة. فقد تؤدي إلى:
• مزيد من التمركز الأجنبي.
• منافسة على المنشآت والطرق.
• تداخل النشاط العسكري مع شبكات التهريب.
• إضعاف سلطة المؤسسات المحلية والوطنية.
4- ارتداد الصراعات نحو ليبيا
الممرات العسكرية لا تعمل في اتجاه واحد. فـ البنية التي تنقل المعدات جنوبًا يمكن استخدامها لإعادة مقاتلين أو موارد أو أسلحة نحو الشمال. كما يمكن أن يؤدي الضغط على الجماعات المسلحة في مالي إلى دفع بعضها نحو النيجر أو جنوب الجزائر أو ليبيا، خصوصًا في ظل الحدود المفتوحة وضعف الرقابة المشتركة.
5- تعقيد العلاقة الليبية–الجزائرية
تنظر الجزائر إلى جنوب ليبيا وشمال مالي بـ اعتبارهما جزءًا من مجال أمني واحد. ومن المرجح أن تزداد حساسيتها تجاه أي توسع روسي في المواقع القريبة من حدودها أو من مسارات الساحل. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة اهتمام الجزائر بـ الترتيبات الأمنية في الجنوب الليبي، سواء من خلال الاتصالات مع السلطات الليبية أو من خلال إجراءات مراقبة وانتشار على حدودها.
6- توسيع أوراق التفاوض الروسية
يوفر الوجود في ليبيا لـ موسكو أدوات تتجاوز الملف الليبي، تشمل الساحل والسودان ووسط أفريقيا وجنوب أوروبا. وبالتالي قد لا تنظر روسيا إلى القواعد الليبية بـ اعتبارها ورقة قابلة للتنازل ضمن تسوية ليبية منفصلة. وهذا يعني أن مسألة إخراج القوات الأجنبية لن تُحل بـ التفاوض مع الأطراف الليبية وحدها، لأنها باتت مرتبطة بـ استراتيجية روسية إقليمية أوسع.
عاشرًا: السيناريوهات المحتملة
• السيناريو الأول: تثبيت الشبكة الروسية مع قبول دور جزائري
قد تستمر موسكو في استخدام القواعد الليبية لدعم عملياتها في الساحل، بالتزامن مع الحفاظ على قناة سياسية مع الجزائر لمنع التصعيد قرب الحدود وإدارة بعض الاتصالات مع القوى الشمالية. وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب؛ لأنه يسمح لروسيا بالاحتفاظ بحليفها المالي من دون الدخول في مواجهة مع الجزائر.
• السيناريو الثاني: توزيع غير معلن للأدوار
تتولى روسيا الدعم العسكري وحماية المجلس المالي، بينما تساهم الجزائر في إدارة قنوات التهدئة والتفاوض والترتيبات الحدودية. ولا يعني ذلك قيام تحالف روسي - جزائري في مالي، بل توافقًا محدودًا على منع الانهيار أو المواجهة المباشرة، مع استمرار الخلاف بشأن شكل الحل النهائي.
• السيناريو الثالث: انهيار التطبيع وعودة التصعيد
قد يتعثر المسار إذا استأنفت القوات المالية عمليات واسعة قرب الحدود، أو اتهمت باماكو الجزائر بدعم خصومها، أو وقع حادث عسكري جديد. عندها ستواجه موسكو معضلة أكثر حدة بين دعم حليف يعتمد عليها وبين المحافظة على العلاقة مع الجزائر.
• السيناريو الرابع: توسع الوظيفة الإقليمية للقواعد الليبية
تواصل روسيا تطوير البنية العسكرية في ليبيا، وتتحول بعض القواعد الجنوبية والوسطى إلى منصات دائمة لإدارة العمليات والشحنات نحو الساحل. وسيزيد هذا السيناريو من تدويل الصراع الليبي، ويرفع كلفة أي محاولة مستقبلية لإنهاء الوجود العسكري الأجنبي.
• السيناريو الخامس: تراجع القدرة الروسية
قد تؤدي الخسائر في مالي أو الضغوط في مسارح أخرى إلى تقليص الانتشار الروسي في المواقع النائية، مع التركيز على حماية الأنظمة والعواصم بدل السيطرة على مساحات واسعة. وفي هذه الحالة، تصبح الحاجة إلى الجزائر والقنوات السياسية أكبر، بينما تحتفظ ليبيا بدورها اللوجستي حتى مع تقلص النشاط القتالي المباشر.
الحادي عشر: مؤشرات تستحق المتابعة
لتقدير المسار الذي ستتخذه التطورات، ينبغي مراقبة المؤشرات التالية:
• وتيرة الرحلات العسكرية بين القواعد الليبية ومالي أو النيجر.
• أعمال تطوير المدرجات والحظائر في تمنهنت ومعطن السارة والجفرة وبراك الشاطئ.
• وصول سفن شحن روسية إلى موانئ شرق ليبيا.
• حجم الانتشار الروسي في كيدال وغاو وأنفيس ووسط مالي.
• بدء مفاوضات معلنة أو غير معلنة مع " جبهة تحرير أزواد ".
• مستوى التنسيق الجزائري مع النيجر وتحالف دول الساحل.
• أي عودة لـ الخطاب العدائي بين الجزائر وباماكو.
• تحركات القوات الجزائرية قرب الحدود مع مالي وليبيا.
• انتقال مقاتلين أو أسلحة بين شمال مالي والجنوب الليبي.
• إدراج القواعد الأجنبية ضمن المفاوضات السياسية والعسكرية الليبية.
الاستنتاجات
أولًا، أصبحت ليبيا جزءًا من البنية الإقليمية للنفوذ الروسي في أفريقيا. فـ المطارات والقواعد الليبية لا تخدم التوازنات المحلية فقط، بل تمنح موسكو قدرة على استقبال المعدات وإعادة توزيعها نحو الساحل.
ثانيًا، أثبتت هجمات أبريل أن البنية اللوجستية لا تساوي السيطرة السياسية. فـ قد تمكنت روسيا من دعم باماكو، لكنها لم تمنع فقدان مواقع شمالية أو انهيار خطوط الإمداد أو وصول الهجمات إلى محيط العاصمة.
ثالثًا، لا يعني ذلك انتهاء النفوذ الروسي. ما زالت موسكو الضامن الأمني الأهم لـ المجلس العسكري المالي، ويمكنها منع انهياره واستعادة بعض المواقع. لكنها تتحول تدريجيًا من مشروع الحسم الشامل إلى مشروع حماية النظام وإدارة المخاطر.
رابعًا، كشفت الأزمة أن الجزائر ما زالت تملك أدوات لا توفرها القوة الروسية: الجغرافيا، والقنوات المحلية، والقدرة على تسهيل الانسحاب والتهدئة، وفرض خطوط حمراء عند الحدود.
خامسًا، يضيف ما كتبه أكرم خريف تمييزًا مهمًا بين ليبيا والجزائر. فـ وجود رحلات شحن روسية إلى الجزائر لا يكفي لاعتبارها قاعدة تشغيلية روسية، بينما تتوافر في ليبيا مؤشرات أوضح على وجود بنية عسكرية خاضعة للاستخدام الروسي المباشر.
سادسًا، لا تمثل عودة الجزائر هزيمة روسية أو انتصارًا جزائريًا كاملًا. إنها اعتراف عملي بأن القوة العسكرية لا تستطيع وحدها إدارة شمال مالي، وأن المشروع الروسي يحتاج إلى التكيف مع القوى الإقليمية بدل محاولة تجاوزها.
سابعًا، تمثل هذه التطورات خطرًا مباشرًا على السيادة الليبية، لأن استخدام الأراضي الليبية في عمليات إقليمية يربط مستقبل القواعد الأجنبية بـ حسابات تتجاوز التسوية الوطنية.
التوصيات
إلى المؤسسات الليبية
1. إنشاء آلية وطنية لرصد حركة الطيران العسكري الأجنبي بين القواعد والمطارات الليبية ودول الساحل.
2. إدراج استخدام الأراضي الليبية في العمليات الخارجية ضمن أي حوار بشأن القوات الأجنبية، بدل حصر النقاش في عدد المقاتلين الموجودين داخل البلاد.
3. مطالبة جميع الجهات الليبية بـ الكشف عن طبيعة الاتفاقات التي تسمح لقوات أجنبية بـ استخدام القواعد والموانئ والمجال الجوي.
4. إعداد تقييم دوري للمخاطر المرتبطة بـ القواعد الموجودة في الجنوب والوسط، خصوصًا تمنهنت وبراك الشاطئ والجفرة ومعطن السارة.
5. تعزيز تبادل المعلومات مع الجزائر وتشاد والنيجر بشأن حركة المقاتلين والأسلحة والطيران غير المعلن.
6. تطوير قدرات الرصد الجوي والرادارى الليبية، بما يسمح بـ توثيق حركة الطائرات العسكرية داخل المجال الجوي الوطني.
إلى المؤسسات البحثية والأمنية
1. إنشاء قاعدة بيانات مفتوحة لـ مسارات الرحلات العسكرية والسفن الروسية الواصلة إلى ليبيا.
2. استخدام صور الأقمار الاصطناعية لـ مراقبة التغييرات في القواعد والمطارات بـ صورة دورية.
3. دراسة العلاقة بين شبكات التهريب المحلية وخطوط الإمداد العسكرية الإقليمية، وعدم افتراض انفصالهما الكامل.
4. تقييم احتمال انتقال آثار الصراع المالي إلى الجنوب الليبي، بما يشمل المقاتلين والأسلحة والتطرف وشبكات الاتجار.
إلى صانعي السياسة الخارجية الليبية
1. التعامل مع الجزائر بوصفها شريكًا أساسيًا في أمن الجنوب، من دون الانخراط في اصطفافات إقليمية تزيد الانقسام الليبي.
2. إثارة ملف استخدام الأراضي الليبية في العمليات الخارجية داخل الأمم المتحدة والحوارات الدولية المرتبطة بالمسار الأمني.
3. رفض تحويل ليبيا إلى منصة صراع بين روسيا والقوى الغربية أو إلى قاعدة خلفية لحروب الساحل.
خاتمــة
أظهرت أزمة مالي أن روسيا تستطيع بناء شبكات عسكرية تتجاوز الحدود، لكنها لا تستطيع إلغاء الجغرافيا السياسية. فـ من ليبيا تستطيع موسكو استقبال المعدات، وتطوير القواعد، وتحريك طائرات النقل باتجاه الساحل. وفي مالي تستطيع نشر " فيلق أفريقيا "، ودعم المجلس العسكري ومنع انهياره. لكنها عندما وصلت إلى عقدة شمال مالي، وجدت نفسها بحاجة إلى قنوات لا تنتجها القوة النارية ولا توفرها المطارات.
أيضا، احتفظت الجزائر بهذه القنوات، ولو بدرجات متفاوتة، بفعل حدودها وعلاقاتها وخبرتها السياسية والأمنية. لذلك لم تكن عودتها إلى المعادلة مجرد استعادة لدور دبلوماسي قديم، بل تعبيرًا عن حدود المشروع العسكري الروسي نفسه.
وبالنسبة إلى ليبيا، فإن الخلاصة الأكثر خطورة هي أن البلاد لم تعد مجرد ساحة تستضيف قوات أجنبية؛ بل أصبحت منصة تستخدم لإدارة صراعات خارج حدودها. فـ السلاح يستطيع العبور من ليبيا، والمقاتلون يستطيعون الانتشار في مالي، لكن تحويل القوة إلى نظام مستقر يظل مرتبطًا بدول ومجتمعات وقنوات سياسية لا تستطيع موسكو التحكم فيها منفردة.
وهنا يظهر التناقض المركزي لـ الممر الروسي: قوي في النقل والانتشار، لكنه محدود في صناعة النتائج.
الرابط المختصر
استخدم هذا الرابط المختصر لمشاركة المقال.
