هندسة الفوضى.. تفكيك الدولة الوطنية كـ إستراتيجية كبرى في الشرق الأوسط الجديد

وحــــــــــدة الأبحــــــــاث والدراسات
المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية
ما بعد ” الربيع العربي ” – فشل النموذج أم هندسة الفشل؟
في أعقاب الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت العالم العربي في عام 2011، ساد خطاب أكاديمي وإعلامي يميل إلى تفسير مالاتها المأساوية من خلال منظور ” الفشل الداخلي “. وتركزت السرديات السائدة على مجموعة من العوامل البنيوية والثقافية، مثل غياب ثقافة ديمقراطية راسخة، وعمق الانقسامات المجتمعية (الطائفية والإثنية)، وضعف مؤسسات المجتمع المدني، وعدم نضج النخب السياسية. ووفقاً لهذا المنظور، كان مصير ” الربيع العربي ” محتوماً بالفشل، لأن ” التربة ” الاجتماعية والسياسية لم تكن مهيأة لنجاح التحول الديمقراطي. وبالرغم من أهمية هذه العوامل الداخلية، إلا أن هذا التفسير يظل قاصراً بشكل خطير، لأنه يغفل، أو يتغافل عمداً، عن الدور الحاسم الذي لعبته قوى خارجية وداخلية في هندسة هذا الفشل بشكل ممنهج ومدروس .
إن الفرضية المركزية التي تنطلق منها هذه الورقة هي أن فشل التحولات الديمقراطية في دول مثل مصر وتونس، وانزلاق دول أخرى مثل ليبيا واليمن وسوريا والسودان إلى حروب مدمرة، لم يكن مجرد نتيجة حتمية لعيوب بنيوية داخلية، بل كان إلى حد كبير نتاجاً لاستراتيجية ثورة مضادة إقليمية ودولية، قادتها بشكل أساسي دولة الإمارات العربية المتحدة، بدعم ضمني و/أو صريح من قوى غربية.
لكن الإشكالية البحثية التي نسعى لمعالجتها هنا تتجاوز مجرد إثبات وجود ثورة مضادة. فـ نحن نجادل بأن ما شهدناه لم يكن ” ثورة مضادة ” بـ المعنى الكلاسيكي للكلمة، الذي يهدف إلى استعادة النظام القديم كما حلله أرنو ماير في سياق التاريخ الأوروبي. فإن ما حدث كان أكثر جذرية وخطورة: لقد شهدنا ولادة استراتيجية كبرى جديدة، نطلق عليها في هذا البحث ” هندسة الفوضى “. هذه الاستراتيجية لا تهدف إلى إعادة إنتاج أنظمة استبدادية قديمة، بل إلى التفكيك الممنهج للدولة الوطنية نفسها، وتحويلها من كيان سيادي إلى ” ساحة ” مفتوحة للصراع، كـ شرط أساسي لبناء نظام إقليمي جديد قائم على الهيمنة والتبعية.
تهدف هذه الورقة إلى تشريح هذه الاستراتيجية، وتفكيك آلياتها، وتوضيح غاياتها النهائية. وسنقوم بذلك من خلال بناء إطار نظري جديد مستمد من ” نظرية الحروب الدولية الجديدة “، وتطبيقه على دراسات حالة محددة، لنكشف كيف أن ” هندسة الفوضى ” أصبحت هي المنطق الحاكم للسياسة الإقليمية في حقبة ما بعد 2011.
لتحميل الملف من هنا ….