أوراق تحليليةتقارير وتقديرات

قرار حماد بتشكيل لجنة عليا للطوارئ يُحمل حكومته المسؤلية الأكبر في كارثة درنة

 

أدى انهيار سدي وادي درنة جراء الإعصار لدمار شامل وكبير جداً، اقُتلعت فيه الطرق والجسور والمرافق السكنية والعامة. وأدت أيضا، بحسب الأرقام الغير رسمية ، إلى مقتل أكثر من 11 الف شخص، وفقدان مثل هذا العدد أو أكثر، وحدوث حركة نزوح كبيرة من المدينة، ليقضي الإعصار على 30٪ من مدينة  درنة  تقريباً.

ولم تقتصر تداعيات إعصار ” دانيال “، الذي ضرب معظم الساحل الشرقي الليبي، على خسائره البشرية والمادية فقط، وإنما امتدت لتشمل الجدل حول من يتحمل مسؤولية هذه الكارثة،  فقد صدرت تحذيرات مختلفة من جهات متعددة تفيد بأن إعصار ” دانيال”، الذي ضرب اليونان، في طريقه إلى ليبيا. ومن ثم، فإن كل الجهات الرسمية الحكومية في الدولة الليبية مسؤولة عن المتابعة وأخذ التدابير اللازمة لاحتواء تأثيرات هذا الإعصار، بما في ذلك حكومتي الشرق والغرب.

وبحكم وقوع المنطقة الشرقية تحت سلطتها ، فإن المسؤولية الإجرائية على الأرض تتحملها حكومة ” أسامة حماد”، حيث كان يجب أن تشرع الحكومة في اتخاذ التدابير الوقائية لتلافي أي طارئ قد يسببه الإعصار. وما عمق من حجم مسؤولية حكومة “حماد” هو القرار الذي أصدره قبل الإعصار بثلاثة أيام ، والذي نص على تشكيل ” لجنة عليا للطوارئ والاستجابة السريعة “. وهو القرار الذي لم يلق اهتماماً أو تغطيةً إعلاميةً بالقدر الكاف الذي يتناسب مع أهميته.

نص القرار

أصدر ” أسامة حماد ” رئيس حكومة الشرق الليبي المكلفة من البرلمان ، قبل ثلاثة أيام  من حدوث الكارثة، قراراً  من أجل مواجهة إعصار ” دانيال”، الذي كان متوقع وصوله آنذاك إلى ليبيا. حمل القرار رقم 7 لسنة 2023 ، ويقضي بتشكيل لجنة عليا للطوارئ والاستجابة السريعة ” بتاريخ 7 سبتمبر 2023 ، لتشرف على كل الإجراءات اللازمة للتعاطي مع الإعصار. وبالتالي، فإن هذه اللجنة هي المخولة لإدارة ملف إعصار ” دانيال” واحتواء تداعياته.

وطبقاً للمادة (1) من القرار، تضم اللجنة رئيس مجلس الوزراء كرئيس للجنة ، وعضوية كل من:

وزراء الداخلية ، والصحة والموارد المائية والحكم المحلي والأشغال العامة والكهرباء، والطيران ووزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة ، بالإضافة لمستشار الأمن القومي لرئيس مجلس الوزراء ، ورئيس لجنة إعادة الإعمار ومندوب عن النيابة العامة ، ومندوب عن جهاز المخابرات العامة ، ورئيس غرفة عمليات القوات البرية بـ” القيادة العامة ” ورئيس أركان الوحدات الأمنية بـ” القيادة العامة ” ورئيس جهاز الأمن الداخلي.

وتنص المادة (2) على أن اللجنة تتولى إعلان حالة الطوارئ ، واتخاذ الاستعدادات القصوى لأية تداعيات طارئة قد تحدث ، وفقاً للتوقعات الجوية المعلن عنها آنذاك ، ويناط باللجنة اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة والعاجلة بحسب ما قد تتطور إليه الأوضاع ، ولها استخدام كافة الإمكانات وإصدار التعليمات اللازمة حفاظاً على أمن وسلامة المواطن، على أن تكون اللجنة في حالة انعقاد دائم طوال أيام الأزمة. ونص القرار على اعتبار سريان عمل اللجنة من تاريخ صدوره.

ملاحظات أولية على القرار

هناك عدة ملاحظات يمكن رصدها من خلال القراءة الأولية لنصوص هذا القرار:

  • أولاً : تنصيب رئيس الوزراء في حكومة الشرق الليبي ” أسامة حماد ” نفسه كرئيس للجنة ، ومن ثم تصديه بشكل خاص لتحمل مسؤولية إدارة أزمة الإعصار.
  • ثانياً : غياب عمداء البلديات التي تقع تحت طائلة الإعصار ومصلحة الجسور والطرق عن عضوية اللجنة، وهو سوء تقدير للموقف من قبل الحكومة ، التي غاب عن حساباتها احتمالية أن تشمل التداعيات انهيار بعض السدود في المنطقة ، فضلاً عن الجسور والطرق.
  • ثالثا : وجود أبناء ” خليفة حفتر” في اللجنة المشكلة بصفات مختلفة ، والذي يعبر عن مدى تغلغل ” حفتر” وأبناءه في بنية السلطة بكل مظاهرها في شرق ليبيا ، مما يجعل أي محاولة لإبعادهم عن أي ترتيبات سياسية مستقبلية مصيرها الفشل.
  • رابعاً : إن قدرة الحكومة على الاجتماع  ثم إصدار قرار بتشكيل لجنة لمواجهة الإعصار قبل وصوله ليبيا، يعني أنها كانت لديها الوقت الكافي لاتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة، وهو ما لم يحدث.
  • خامساً : تشكيل لجنة لمواجهة الإعصار قبل وصوله ليبيا بأيام ، يعني أن هذه اللجنة بأعضائها تتحمل المسؤولية الأكبر، ليس فقط في التعامل مع تداعيات الإعصار من تعويضات وعمليات إنقاذ وتوطين للنازحين، بل أيضا في الاستعداد له قبل وصوله ليبيا ، لاحتواءه وتفادي تداعياته أو التقليل من آثارها.

لكن ذلك لا يعني أن حكومة الشرق تتحمل المسؤولية وحدها ، وإنما تتشارك معها المسؤولية الحكومات المتعاقبة، فضلاً عن حكومة الوحدة الوطنية بقيادة ” عبد الحميد الدبيبة “، وهنا تبرز الحاجة لتفكيك هذا الجدال المتعلق بالمسؤولية والمحاسبة.

جدلية المسؤلية

لقد حاول عميد بلدية درنة ” عبد المنعم الغيثي”، بعد الكارثة مباشرةً، أن ينأى بنفسه عن تحمل المسؤولية في ما حدث، حيث صرح بأنه ، بالتشاور مع المحامي العام في 9 سبتمبر الماضي ، قد أوصى بإخلاء بيوت المواطنين في درنة ، وفوّض المؤسسات الأمنية والعسكرية بالمدينة لتنفيذ القرار. ومع ذلك ، فإن التحقيقات قادت إلى اعتقال عميد البلدية ، بالإضافة إلى 16 مسؤول آخر، لم يتم الإفصاح عنهم.

هذه الاعتقالات اعتبرها البعض عملية إلهاء غير مقنعة للرأي العام ، وأن هناك جهات أخرى عليا تتحمل قدر كبير من المسؤلية المباشرة عن هذه الكارثة وتداعياتها، وتبذل جهوداً من أجل الهروب من المساءلة ، لمكانتهم في بنية السلطة في الشرق الليبي ، ولطغيان منظومة الفساد على الحياة السياسية الليبية ، ولذلك برزت الدعوات المطالبة بتحقيق دولي مستقل يحدد المسؤولين الحقيقيين عن الكارثة.

وفي هذا السياق ، نشرت صحيفة ” نيويورك تايمز” تقريراً  أشارت فيه إلى فضيحة فساد كبيرة في ليبيا ، تتعلق بالرئيس السابق لمنظمة ” تطوير المراكز الإدارية ” ” علي الدبيبة ” وشركة ” أرسل للبناء” التركية. يفيد التقرير بأن السدود التي كان من المفترض ترميمها وتحديثها لحماية مدينة درنة لم تتلق الصيانة اللازمة ، وهذا بدوره أسفر عن كارثة مروعة أودت بحياة الآلاف وألحقت أضراراً بالمدينة.

وأشارت الصحيفة إلى أن شركة ” أرسل”، التي تم تعيينها للعمل على المشروع ، استلمت جزء من المبلغ المقدر للمشروع ، وبدأت تستعد لبعض الأعمال التحضيرية ، لكنها لم تكمل المشروع كما هو متفق عليه ، وغادرت الشركة البلاد  بعد تفاقم الأوضاع فيها جراء ثورة 17 فبراير دون أن تقدم الخدمات المتفق عليها ، مما أسهم في تفاقم الكارثة.

وبشكل عام ، هناك مستويين من المسؤولية يجب التفريق بينهما : مسؤولية انهيار السدود المائية الواقعة على وادي درنة من ناحية ، ومسؤولية التعامل مع الإعصار سواء الاستعداد له قبل وصوله لليبيا أو التعامل مع تداعياته بعد ذلك من ناحية أخرى ، فمسؤولية انهيار السدود لا تنحصر فقط في المسؤولين الحاليين ، بل يجب أن تطال كل المسؤولين الذين قصروا في صيانة السدود في أوقات سابقة ، في البلدية أو في الحكومات المتعاقبة.

أما مسؤولية التعامل مع الإعصار، فهي بدورها تنقسم إلى مرحلتين :

الأولى : تتعلق بالاستعداد للإعصار قبل وصوله ليبيا ، عبر مجموعة من الإجراءات المسبقة الاحترازية ، لاحتواء الإعصار وتفادي أو التقليل من تداعياته.

الثانية : تتعلق بالتعامل مع تداعيات الاعصار بعد وصوله ، عبر مجموعة من الإجراءات تتمثل في صرف التعويضات وتوطين النازحين وعمليات الإغاثة والإنقاذ وتنسيق الدعم والمساعدات الدولية وترتيب مسألة إعادة الإعمار.

بالنسبة لمرحلة ما قبل الإعصار، كانت هناك معطيات تسمح للسلطات بالاستعداد الجيد للإعصار، حيث ضرب اليونان أولاً قبل أن يصل إلى شمال أفريقيا ، ومن ثم كانت هناك معرفة مسبقة أولاً بأن الإعصار قادم إلى السواحل الليبية ، وأنه سيصل إلى منطقة برقة تحديداً بعد ثلاثة أيام. ثانياً المعرفة بشكل دقيق بمركز الإعصار وأين سيمتد تأثيره ، وبسرعة الرياح وكمية الإمطار التي سيحدثها. ثالثاً إدراك الطبيعة الجبلية المرتفعة لمنطقة الجبل الأخضر، وأن السيول ستنحدر باتجاه المدن الساحلية ، درنة وغيرها. ومع ذلك ، تفاجئ المسؤولون كغيرهم بالإعصار دون إجراءات احترازية مسبقة ، ولذلك جاءت تداعيات الإعصار بهذا الشكل الكارثي.

بناءاً على ذلك ، تتحمل ” اللجنة العليا للطوارئ والاستجابة السريعة ” وحدها، وبالأخص الأعضاء الذين يمثلون المؤسسات الأمنية والعسكرية في اللجنة بالإضافة لرئيس الحكومة ، إذ أن المسؤولية في هذه المرحلة أمنية بالدرجة الأولى ، فكان  ينبغي نزول الجيش وقوات الأمن إلى الشوارع وإرغام المواطنين جميعاً على الخروج من المدن الساحلية، وتحريك سياراتهم إلى المناطق الصحراوية والواحات القريبة ، مثل واحات جالو وأوجلة والحقول النفطية ومدينة أجدابيا ومناطق جنوب طبرق ، حتى واحة الجغبوب ، ومن ليس لديهم سيارات يتكفل الجيش بنقلهم بالسيارات العسكرية ، وأن يبقوا أيام العاصفة الثلاث خارج المدن ، بعدها يمكنهم العودة إلى بيوتهم وإصلاح ما يمكن إصلاحه. هذا المسار كان كفيلاً بأن يحول دون تكبد البلاد خسائر في الأرواح ، أما الخسائر المادية فواقعة لا محالة.

هذه مسؤولية الجهات الأمنية والعسكرية عند حدوث خطر يهدد حياة المواطنين ، يستوي في ذلك أن يكون الخطر غزو خارجي أو عاصفة مدمرة أو زلزال ، ومن ثم عدم وجود قيادات عسكرية وأمنية قادرة على التخطيط السليم والتنفيذ الحازم عند استشعار الخطر يؤدي دائماً إلى تداعيات كارثية مضاعفة ، كتلك التي حدثت في درنة.

وعلى هذا الأساس ، كان يجب على البرلمان محاسبة الحكومة والقيادات الأمنية والعسكرية ، لكن الانقسام السياسي والمناطقي هو المحدد المركزي لسياسات السلطات في الشرق والغرب ، وهذه الحكومة نتاج لهذا الانقسام ، وبالتالي لن تتم محاسبتها أو حلها في هكذا ظروف.

أما مرحلة التعامل مع تداعيات الإعصار،  فهي مسؤولية  تضامنية بين حكومتي الشرق والغرب ، بقيادة ” أسامة حماد ” و” عبد الحميد الدبيبة “، على التوالي ، إذ أن الإعصار الذي كان يجب أن يدفع الفرقاء السياسيين لتجاوز خلافاتهم  وانقسامهم من أجل مواجهة كارثة استثنائية ، كان سبباً لتعميق هذا الانقسام ، وبدلاً من أن تنشأ الحكومتان هيئة عليا موحدة لإدارة الأزمة ، فإن كل منهما شرع  في معالجة الكارثة بطريقة مستقلة عن الآخر ، ولذلك برز تكراراً وأحياناً تناقضاً في بعض القرارت والبيانات. فعلى سبيل المثال ، تم إعلان المدن المتضررة ” مناطق منكوبة ” عبر ثلاث جهات مختلفة : حكومتي الشرق والغرب والمجلس الرئاسي.

كذلك سارت الحكومتان بشكل متعارض ومستقل عن بعضهما البعض في مسألة تخصيص الموارد المالية لمواجهة الكارثة ، بل وحتى في مسألة إعادة الإعمار، والتي تتطلب أولاً تنسيق إقليمي ودولي على أعلى مستوى ، وثانيا جهة موحدة  تتولى إدارة هذا الملف. هذا الانقسام وعدم توحيد الجهود أدى لتضارب في البيانات أيضا، فبينما أعلن حماد أن ” الوضع تحت السيطرة “، فإن رئيس المجلس الرئاسي ” محمد المنفي” أكد أن الكارثة تتجاوز ليبيا وإمكانياتها. في حين لم يُصدر المجلس الأعلى للدولة  أي بيانات تخص الكارثة إلا بعد مرور عليها أكثر من أسبوع.

هذا التعارض والانقسام دفع المجلس الرئاسي الليبي ، بالإضافة للفاعلين الدوليين ، على رأسهم المبعوث الأممي لليبيا ” عبد الله باتيلي” ، لدعوة حكومتي الشرق والغرب لتجاوز الانقسام وتوحيد الجهود من أجل تسريع عملية الإغاثة والإنقاذ.

خلاصة القول .. تتحمل حكومة  الشرق ومعها البرلمان الذي شكلها فضلاً عن التشكيلات العسكرية هناك بقيادة ” خليفة حفتر” المسؤولية الأكبر بحكم وقوع المناطق المتضررة من الإعصار تحت سلطتهم ، وما عمق من حجم المسؤولية القرار الذي أصدره ” حماد” بتشكيل ” اللجنة العليا للطوارئ والاستجابة السريعة ” برئاسته، قبل الإعصار بثلاثة أيام ، من أجل مواجهة هذه الموجة وتداعياتها، والتي كان يجب أن تقوم بدور محوري في الاستعداد للإعصار بشكل استباقي من أجل احتواء تداعياته.

لكن المسؤولية بشكل عام لا تتحملها فقط حكومة “حماد”، وإنما أيضا الحكومات المتعاقبة التي أهملت عملية صيانة سدود وادي درنة ، فضلاً عن حكومة ” الدبيبة ” التي تتشارك مع حكومة ” حماد”  في تحمل مسؤولية ما بعد الإعصار والتعامل مع تداعياته ، إذ أن الإعصار الذي كان يجب أن يدفعهما لتجاوز خلافاتهما وانقسامهما من أجل مواجهة هذه الكارثة الاستثنائية ، كان سبباً لتعميق هذا الانقسام ، حيث شرعت الحكومتان في إدارة الأزمة ومعالجة آثار الكارثة بشكل مستقل عن بعضهما البعض دون تنسيق أو تشكيل هيئة عليا موحدة ، وهو ما أدى إلى بطء شديد في عمليات الإغاثة والإنقاذ ووصول المساعدات للمناطق المتضررة.

 

لتحميل الملف من هنا ….

زر الذهاب إلى الأعلى