أبعاد الموقفتقارير وتقديرات

حكومة الدبيبة: نجاحات وإخفاقات

منذ قدوم “عبدالحميد الدبيبة ” المفاجئ للسلطة في ليبيا في مطلع فبراير 2021، بعد مفاوضات مكثفة في جنيف، برزت أمامه العديد من التحديات الكبيرة التي واجهت أداء حكومته “حكومة الوحدة الوطنية “، والتي بدأت من التشكيلة الوزارية لحكومتة إلي محاولة الإعتماد والحصول علي الميزانية المقترحة منه، وصولا إلى  محاولة تحقيق الأداء اللازم الذي يناسب الظرفية الزمنية التي تمر بها البلاد.

مؤشرات النجاح

نجحت الحكومة جزئيا في تجاوز عقبة البرلمان ونيل الثقة، ونجحت أيضاً في تذليل الكثير من المعوقات الأخرى التي كانت في طريق عملها، ولعل كان أصعبها انقلاب البرلمان عليه بتشكيل حكومة أخرى برئاسة ” فتحي باشاغا “، والتي مثلت التحدي الأكبر والحقيقي ” للدبيبة ” وحكومته، خاض في ذلك صراعاً شرساً على المستوى المحلي والإقليمي والدولي للبقاء، واحتواء خصمه ” لباشاغا “، صاحب الشخصية القوية التي لها دائرة علاقات جيدة علي المستوي الإقليمي والدولي، اكتسبها خلال فترة شغله وزيرا  للداخلية في حكومة الوفاق الوطني.

إذ وعد “باشاغا” ناخبيه، كرئيساً لما أطلق عليها بـ”حكومة الاستقرار”، بدخول طرابلس بشكل سلس وسلمي، وبالتوافق مع التشكيلات المسلحة في المنطقة الغربية، وهو ماجعل ” الدبيبة ” يستخدم  كل الوسائل الممكنة لمنعه من دخول طرابلس، وعدم السماح  بالتفريط في ما يعتقد أنها شرعيته المكتسبة من اتفاق جنيف وماتضمنه من نصوص، وقد نجح في ذلك.

مقومات ومرتكزات النجاح

استنادا لما سبق، فإن الإنجاز الأبرز لحكومة “عبد الحميد الدبيبة ” كان في مواجهة وتحييد خصومه الذين فكروا في انتزاع السلطة منه، وعلى رأسهم ” فتحي لباشاغا “، ولضمان بقاء واستمرارية حكومته.

استند” الدبيبة ” في ذلك على عدد من المرتكزات والأدوات التي مثلت نقاط  قوة  له ورجحت كفته في مواجهة خصومه، أهمها:

  • مرتكز دار الإفتاء : ويبدو أن هذا المرتكز كان عنصرا حاسماً ورقما حرجا في إعطاء القوة الدافعة لحكومة ” الدبيبة “، مكنته من تحييد الكثير من القوى المتحفظة على حكومته. وكان لتداخلات دار الإفتاء من خلال الشيخ ” الصادق الغرياني”، عن طريق نشر بعض الفتاوي المثيرة للجدل، والتي كان لها بالغ الأثر في توفير جهد كبير كانت الحكومة مطالبة به في بيان مواقفها وحججها، وكان اللافت هو توقيت مداخلات ” الشيخ ” تزامننا مع بعض الاستحقاقات والمحطات المهمة.

علي سبيل المثال فتواه في عدم أحقية دخول الحكومة المعينة من قبل مجلس النواب  بقيادة ” فتحي باشاغا ” إلي طرابلس، والدعوة للوقوف ضدها، في بيان رسمي خرج من مجلس البحوث والدراسات الشرعية بدار الإفتاء، بإدانة محاولة دخول ” الحكومة الانقلابية الفاشلة الي العاصمة طرابلس” بتاريخ 17 مايو 2022، وتحت رقم إشاري ( ب 13 \ 1443 ) ، والتي كان لها أثر كبير في تراجع الكثيرين ممن وقف خلف باشاغا وآمن بالتغيير.

كذلك  فتوى دار الإفتاء التي دعت بعدم شرعية  الخروج في حراك 27 يوليو 2023، فمثل هذه المناسبات  كان من  المفترض أن ينتهزها  المنافسين  للدبيبة، لكن هذه  الفتاوي  دائما ما كانت تجهض آمال الخصوم وتسهم في إفشال أي حراك مناوئ لحكومة ” الدبيبة “. لكن في المقابل، لا يري المتابع للشأن الليبي أي بيان أو تصريح من دار الإفتاء علي شبهات الفساد التي لاحقت حكومة الوحدة الوطنية، إضافة الي عدد من  وزارءها والمحسوبين عليها، وهذا التغاضي لم  يكن موجودا في السابق، خاصة في حكومة الوفاق الوطني بقيادة ” فائز السراج “، والتي ناصبتها دار الإفتاء العداء منذ أيامها الأولي ونعتها بوصف العمالة ” حكومة الفرقاطة “.

وأخيرا في هذا السياق، جاء تعليق ” الشيخ الغرياني” على لقاء وزيرة  الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية ” نجلاء المنقوش” بنظيرها الإسرائيلي، متماشيا مع دفاعه المستمر عن ” الدبيبة ” وحكومته، ففي الوقت الذي يجب فيه تحميل رئيس الحكومة مسؤولية أخطاء وزراءه، خاصة وأن هكذا لقاءات لم تكون لتتم دون تنسيق مع الحكومة ككل، فهي لا تعبر عن سياسة وزارة  بقدر ما هي سياسة الحكومة، والمسؤولية هنا يجب أن تكون تضامنية، فقد جاء” الشيخ الغرياني” ليصرح بأن ما فعلته الوزيرة يمثل نفسها ولا يجب محاسبة الحكومة ككل على هذا الخطأ. كما أن إدخال” الشيخ ” لبرلمان طبرق و” حفتر” في هذه المسألة، حينما قال أن ” ما قامت به المنقوش أقل ضرراً من حكومة انتقالية يشكلها برلمان طبرق وحفتر”، وهو أمر في غير محلة، فلا يجب أن يوضع الشعب الليبي بين خيارات كلها سيئة وإرهابه  بخطورة  البديل، وإنما تقويم الحكومة والضغط عليها لضمان استمراريتها بفاعلية إيجابية ولتحسين سياستها وتجاوز معوقاتها، وليس شرطا الدعوة لحلها، لكن على الأقل الاعتراف بأنها تتحمل المسؤولية بدلا من محاولة تبرئتها عن هكذا أخطاء كارثية.

وفي هذا السياق ، تبرز مسألة حيوية ترتبط بصميم الأمن القومي، وهي خطورة استخدام الدين كأدة لتثبيت دعائم الحكم  ومواجهة الخصوم، فهي من ناحية تعطي الفرصة للآخرين لاستخدام ذات الأداة إذا ما توفرت الفرصة، ومن ناحية أخرى تهز ثقة الشعب بالمؤسسة الدينية ومشايخها، وهو ما يُحدث خلل في بنية  المجتمع الليبي، وهو خلل ليبيا في غنى عنه  في ظل الخلل الذي تعانيه بالفعل في بنيتها كدولة ومؤسساتها، بل وفي مفهوم الدولة ذاته. فما يضمن التماسك لها في ظل غياب الدولة والسلطة المركزية هي المؤسسات المجتمعية والدينية كدار الإفتاء، وبالتالي يجب أن تكون بعيدة كل البعد عن الدخول في مثل هذه الحسابات السياسية الضيقة، وأن تكون لديها حكمة وتأني قبل إصدار بياناتها وفتاويها وإدراك أبعادها وتداعياتها.

  • القوي الأمنية والتشكيلات المسلحة : حيث لجأت حكومة الوحدة الوطنية لدعم وتقوية القوى الأمنية والعسكرية والتشكيلات المسلحة، لضمان الولاء والتبعية، وذلك بتأمين متطلباتها وتسهيل ظروف عملها، وتكليفها بمهام وأنشطة تخدم إستمرار الحكومة ودوام عملها من ناحية ، وتضفي الشرعية على هذه التشكيلات المسلحة من ناحية أخرى.

وجدير بالذكر، أن الدبيبة كوزيرا للدفاع قام بعدد من التحركات الأمنية والعسكرية لتحييد واحتواء خصومه، لذلك كان حريصا علي المستوي الأمني بأن يتمسك طيلة مدة  توليه رئاسة الحكومة بمنصب وزير الدفاع ، وقد نجح  نوعا ما في ذلك.

فقد استطاع أولاً تأمين استخدام ” الطيران المسير التركي” ، والذي كان تحت إدارة حكومته بصفته وزيرا للدفاع  في مواجهاته مع التشكيلات المسلحة  المناوئه له في المنطقة الغربية، والتي  وُصفت في الكثير من بيانات الحكومة ” بالخارجين على القانون “، وأضفى بذلك مزيدا من القوة والفاعلية في مواجهة خصومه، وشكل بذلك نقلة نوعية في أداء الحكومة  العسكري والأمني، وجعل الجميع  يراجعون  ترتيباتهم وتموضعاتهم الأمنية والعسكرية.

وبذلك استطاع ” الدبيبة ” ترويض العديد من التشكيلات المسلحة واحتواءها  لصالح دعم مشروع  استمرار حكومته، واستخدام سياسة ” العصا والجزرة ” مع  تشكيلات أخرى تنأى بنفسها عن دعم حكومته، وتعمل على تقوية ارتباطاتها وتواصلها بالقيادة العامة في المنطقة الشرقية، كما حصل في حملات القصف الأولي علي” أسامة الجويلي” حليفه القوي السابق في جنوب طرابلس، عندما حاول الدخول إلي طرابلس عنوة، أو في موجة القصف بالمسيرات علي مواقع تشكيلات مسلحة  توصف بالقوية في مناطق  نفوذها الجغرافي، وتشكل خطرا علي العاصمة في محيط مدينة الزاوية، بحجة محاربة الهجرة الغير شرعية  وتهريب الوقود والتشكيلات الجرامية، كما وُصف في بيان الحكومة، وإن كانت بعض هذه الأعمال  مقبولة ومنطقية  لفرض سلطة الدولة  ومركزية  امتلاك السلاح.

كان هذا تحذيرا  قويا لعدم تجاوز المسموح به لهذه  التشكيلات المسلحة، وتحذيرها هي وغيرها من دعم أو المشاركة في أي حراك مناوئ  للحكومة. وبينما لازالت وزارة الدفاع  في حكومة الوحدة  الوطنية تصر على تمسكها بروايتها السابقة، التي تؤكد أن المواقع  المستهدفة من الضربات الجوية هي مواقع دقيقة تستخدم في الهجرة الغير نظامية وتهريب الوقود، يسعى ” الدبيبة ” لتأمين كافة المنطقة الغربية، وجعلها منطقة موالية لحكومته.

  • المصرف المركزي: لقد كان لمرتكز دعم المصرف المركزي ” بيت المال الليبي”، عن طريق تحالفه مع رئيسه ” الصديق الكبير” لإنجاح برامج حكومته، الدور الفاعل والمهم في إسناد مجهود ومركز” الدبيبة” المالي ليسمح له بإدارة الدولة ودعم مشاريعه الانتخابية في استخدام صريح لمفهوم ” المال السياسي”، وهي الأداة القوية التي مكنته من تمرير سياساته وبناء تحالفاته، وحتي شراءه للذمم.
  • بناء التحالفات : بعد جولة منع ” فتحي باشاغا ” من دخول طرابلس، استمر ” الدبيبة ” في جهود اثبات نجاعة حكومته في إدارة الدولة، ووسط الهدوء الذي شاب مرحلة مابعد ” لباشاغا ” وبين السجالات والحوارات التي لم تنقطع بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، استطاع ” الدبيبة ” الدخول على دوائر التأثير في كل من المجلسين، وأصبح الحديث عن صناعة  كتلة موالية له في كلا المجلسين ليس بخافي على أحد، وهو يتطلع من خلال ذلك إلى مايصفه هو وحكومته ” بضمان الإستمرار في تحقيق الإنجازات وإحداث تغيير حقيقي لصالح المواطن “.

وفي هذا السياق، عمل علي  إقصاء أقوي منافسية في المنطقة الغربية رئيس المجلس الاعلي للدولة “خالد المشري” وبعد عدة جهود وبناء تحالفات تحت قبة الأعلي للدولة وصل إلي مراده في إقصاء “المشري” أقوي منافسية والمهدد الأكبر لإستمرار حكومته.

ومظهر آخر لقدرة ” عبدالحميد الدبيبة ” في إدارته لسياسة بناء التحالفات هو حرصه على  التواصل  مع دار الإفتاء ودوام اطلاعها على تفاصيل المستجدات السياسية والخدمية، التي تتعلق بمصالح المواطنين في الدولة، وأن  يجعل من الدار غطاءاً حامياً  لحكومته، وصمام  أمان يمنع  به قيام الفواعل، المؤثرة اجتماعيا وعسكريا، بأي  جهد سلبي ضد حكومته. ولقد دفعت سياسة بناء التحالفات التي تبناها الدبيبة لعقد  تواصلات  ولقاءات _ غير معلنه في معضمها _  لحكومته أو من ينوب عنها مع أبناء ” خليفة حفتر”، للوصول إلى قدر من التفاهمات في إدارة بعض ملفات الدولة، والتي كان أبرزها ملف المؤسسة الوطنية للنفط والشركات التابعة لها.

كذلك هناك عنصر مهم وقوي لا يمكن إغفاله من معادلة أدوات القوي لدي ” عبدالحميد الدبيبة “، هو توظيف وسائل الاعلام واستخدام منصات التواصل الاجتماعي في الظهور والتواصل الجماهيري ، لإظهاره  كرئيس حكومة منفتح واجتماعي مع قاعدته الشعبية ، يمكن استخدامها وتوظيفها في إطار أي استحقاق انتخابي قادم ، وكان المهندس لهذه الدعاية  الإعلامية  وزيره المقرب ” وليد اللافي ” في محاولة منه لإظهر الدبيبة بالرجل القوي والمحبوب لدي الناس.

أما على صعيد حراكه الإقليمي والدولي، فهو لم يتوقف، بداية من توقيع عقود إعمار مع مصر وتركيا، وأخري في مجالي الطاقة والنفط مع إيطاليا وفرنسا وروسيا والإمارات، وعقود أخري في مجالات مختلفة  مع معظم الدول التي كانت معارضة لحكومته عند وصوله لطريق السكة ” مقر رئاسة الوزراء “، ليكون بذلك قد تم حلحلة معظم مشاكله الخارجية، وليتسني له  الاستمرار في الحكم، مستغلا ربما مقولة القذافي سابقا ” بأموالنا نحل كل مشاكلنا “.

مؤشرات الإخفاق

إن اشتباكات طرابلس الأخيرة أظهرت ضعف حكومة الوحدة الوطنية  وكسرت شعارات الأمن  والاستقرار والتحكم في التشكيلات العسكرية في طرابلس والمنطقة الغربية ، وهذا الأمر ربما سيضعف حكومة الدبيبة ويعيد التفكير في امكانية استمرارها من قبل الداعمين المحليين والدوليين لها.

وعلى صعيد آخر، برزت ملفات الفساد التي تزعزع استمرارية مؤسسات الدولة في أداء عملها بكفاءة. حيث تمركزت الكثير من قرارات حكومة الوحدة الوطنية الأخيرة حول تقاسم  المناصب و الغنائم والرغبة في تدوير  الحلول للمراحل القادمة، بما يراه  الكثيرون أنه يخدم  فكرة استمرار النفوذ ودائرة التأثير للحكومة، من خلال إستغلال الفرص الهائلة في ملف التوظيف الحكومي، والتي أثقلت الحكومة بها الأجهزة  الرقابية والإدارية، وكانت مصدرا  للإبتزاز وشراء الولاءات.

لقد طال الفساد الوزراء في الحكومة والوكلاء التابعين لهم ، كما برز تغول المقربين من ” الدبيبة ” والموالين له، وكذلك التغول الظاهر للتشكيلات المسلحة في المنطقة الغربية في قطاعات بعينها، مثل ( النفط، المصارف، الاستثمارات الخارجية، ووزراة الصحة الخارجية بالاضافة الي السفارات والقناصل والملاحق التابعة لها ) .

وفي ذات السياق، يمكن الإشارة  لتفريغ  وزارات من مضمونها لصالح أجهزة استحدثتها الحكومة، ووضع المقربين والموالين فيها، وتهميش لوزراء وتنفذ وسطوة وزراء آخرين، مما أدى لتنامي رأي عام معارض لأداء الحكومة والمطالبة بتشكيل حكومة أخرى، واتجه البرلمان والأعلى للدولة في تناسق مع رؤية البعثة الأممية في اتجاه اعتماد خارطة طريق جديدة تنص على تشكيل حكومة ثالثة.

خاتمة

في الوقت الذي برزت فيه أهم نجاحات “عبد الحميد الدبيبة ” ممثلة في تحييد خصومه وضمان استمرارية وبقاء حكومته، فإن الملفات الأهم  والأكثر حيوية للشعب الليبي كمحاربة الفساد وإدارة موارد الدولة  برشد أظهرت فيها الحكومة إخفاقات واضحة.

إن تعدد المسارات التي بذلتها حكومة ” الدبيبة ” في الذود عن حظوظها في الإستمرار أعطى انطباعاً عن مدى الإمكانيات التي لديها، وإذا كان تسخيرها لكل موارد الدولة  المتاحة مكنها من البقاء والإستمرار المؤقت إلى تاريخ  كتابة هذه  الورقة ، فهل تستطيع الحكومة  الاستمرار ومتابعة عملها في ظل ما ينسجه الدبيبه من سياسات، و إلى أي مدى يمكن لها ذلك؟؟

لتحميل الملفات من هنا ….

هذا المحتوى متوفر أيضًا باللغة: English Français Türkçe Italiano

زر الذهاب إلى الأعلى