المقدمة
المؤشر هو تقرير نصف شهري، يتناول أهم ما تشهده الدولة الليبية من تطورات أمنية وعسكرية وسياسية واقتصادية، مع التركيز على الملفات التي ترتبط بصميم الأمن القومي الليبي. وبالتالي يتكون المؤشر من ثلاثة أقسام رئيسية: القسم الأول يتناول تطورات الأحداث على المستوى الأمني والعسكري، الاقتصادي والتجاري، السياسي الداخلي، والسياسي الخارجي. القسم الثاني يتناول مؤشرات هذه الأحداث على نفس المستويات الأربعة. أما القسم الثالث والأخير فيتناول عرض مختصر لأهم التقارير والتحليلات المنشورة في المراكز البحثية والمواقع الصحفية، والتي تناولت الشأن الليبي.
ويتناول هذا العدد أهم الأحداث التي شهدتها ليبيا خلال النصف الأول من شهر يونيو 2026. وكان من أبرز الأحداث التي شهدتها ليبيا خلال هذا الفترة، على المستوى الأمني والعسكري، تسابق القيادات السياسية والعسكرية والأمنية في شرق ليبيا وغربها، لتبني مواقف تُظهر حزماً بشأن الهجرة غير الشرعية، في محاولة لاحتواء موجة الغضب الشعبي الرافضة لما عُرف محلياً بـ"توطين المهاجرين". أما على المستوى الاقتصادي والتجاري، فجاء خبر إعلان المصرف المركزي تعرض عدد محدود من أنظمته وخدماته التقنية لحادث سيبراني. وعلى المستوى السياسي الداخلي، كان الأبرز نشر البعثة الأممية التقرير النهائي لنتائج أعمال لجنة "الحوار المهيكل"، عقب عقدها الجلسة الختامية للحوار. وأخيرا على المستوى السياسي الخارجي، برزت زيارة صدام حفتر لباريس، ولقاءه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
أولًا: تطورات الأحداث
يتضمن هذا القسم التطورات المركزية والنوعية التي شهدها الملف الليبي على أربعة محاور رئيسية: الأمني والعسكري، الاقتصادي والتجاري، السياسي الداخلي والسياسي الخارجي.
1- المحور الأمني والعسكري
يتناول هذا المحور 5 ملفات رئيسية، هي: التشكيلات المسلحة، المواجهات الأمنية والعسكرية، الجرائم المنظمة، النفوذ العسكري الإقليمي والدولي، وأخيرا التسليح والتدريبات المشتركة.
التشكيلات المسلحة
• تحدثت وسائل إعلام محلية عن سلسلة قرارات نُسبت إلى رئيس جهاز الاستخبارات الليبي "حسين العايب"، شملت إعفاء محمد الشريف المعروف بـ " الزمرينة " من رئاسة مكتب شرق طرابلس وتكليف عبد الرحيم بن سالم خلفاً له، في إطار ما وُصف بأنه "إعادة هيكلة واسعة داخل الجهاز". وقد شملت الإجراءات إلغاء إدارتي الأمن القومي والمهام الخاصة، مع إعادة توزيع اختصاصاتها على إدارات أخرى. وأثارت هذه الخطوات حالة من الاحتقان داخل تاجوراء بين أنصار المسؤولين المتنافسين، وسط تحركات اجتماعية وأمنية لاحتواء الموقف، ومنع تطوره إلى صدام مسلح، في حين تصاعدت المطالبات بتدخل رئيس المجلس الرئاسي لضبط الخلافات داخل المؤسسات الأمنية.
• شهدت هذه الفترة عدة لقاءات لقادة التشكيلات المسلحة، حيث بحث رئيس الأركان العامة في طرابلس " صلاح الدين النمروش " مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا " نيكولا أورلاندو "، سبل تعزيز التعاون المشترك في المجالات العسكرية والأمنية. بينما شهدت مدينة بنغازي نقاشًا حول نفس الموضوع، وصفته السفارة الفرنسية بالمثمر والصريح، بين السفير الفرنسي " تييري فالا " ورئيس الأركان العامة التابع للقيادة العامة " خالد حفتر ". وأخيرا، بحث وفدا رفيع المستوى من وزارة الخارجية التركية برئاسة مدير عام إدارة شمال وشرق أفريقيا، رفقة سفير تركيا لدى ليبيا " غوفين بيجيتش "، مع كل من نائب قائد القيادة العامة " صدام حفتر " في بنغازي، ووكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية " عبدالسلام الزوبي " في طرابلس، تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات، بالأخص التعاون العسكري والتدريبي وتطوير برامج التأهيل لرفع كفاءة منتسبي القوات العسكرية، إلى جانب بحث ملف توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية.
المواجهات الأمنية والعسكرية
• تجدَّدت الاشتباكات المسلحة في منطقة ترفاس جنوب الزاوية، بين قوات تابعة لما تُعرف بـ " كتيبة السلعة " وقوات أخرى مرتبطة بمحمد الشلبي وربيع الفانوطة؛ ما أسفر عن مقتل 3 أشخاص على الأقل.
• شنّت المكونات القبلية والاجتماعية في مدينة الزاوية، هجوماً عنيفاً وغير مسبوق على ما وصفته بـ"فوضى الميليشيات المتصاعدة "، من قتل وتدمير للممتلكات جرّاء الاشتباكات المستمرة بين الفصائل المسلحة، وطالبت بـ " إقامة بوابات تفتيش فورية داخل المدينة لضبط الانفلات الأمني، الذي بات يُهدد السلم الأهلي والإنتاج النفطي ".
الجرائم المنظمة وأمن الحدود
• استمرار تصاعد ظاهرة الهجرة الغير شرعية في ليبيا، حيث أمرت النيابة العامة الليبية بحبس 15 مهاجر، انخرطوا في شبكة ضالعة عبر الحدود في تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر. كما أعلنت مديرية أمن أجدابيا القبض على عدد من المهاجرين من جنسيات عربية وأفريقية خلال حملة أمنية واسعة. وفي سياق متصل، رحّل جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، عبر فرعيه في البيضاء ودرنة، 342 مهاجراً من جنسيات مختلفة. كما أعلنت السلطات اليونانية إنقاذ أكثر من 80 مهاجرا، كانوا على متن مركبين، بعدما وصلوا إلى قبالة جزيرة كريت بعد انطلاقهم من ليبيا، وذلك عقب يوم واحد من إنقاذ 200 مهاجر آخر وصلوا إلى الجزيرة اليونانية. أخيرا، أعلن مركز طب الطوارئ والدعم، أن مكتبه في الخمس قام بانتشال ودفن 15 جثمانًا تعود لمهاجرين قذفتهم أمواج البحر باتجاه شواطئ المدينة، بالإضافة إلى انتشال ثلاثة جثامين أخرى في القره بولي.
• تسابقت القيادات السياسية والعسكرية والأمنية في شرق ليبيا وغربها، لتبني مواقف تُظهر حزماً بشأن الهجرة غير الشرعية، في محاولة لاحتواء موجة الغضب الشعبي الرافضة لما عُرف محلياً بـ " توطين المهاجرين"، حيث شهدت العاصمة تظاهرات أمام مقر مفوضية اللاجئين. وفي حين حرص رئيس المجلس الرئاسي على لقاء عدد من المحتجين وتعهد بوضع سياسات عملية لمعالجة هذه الأزمة، قال وزير الداخلية بحكومة الوحدة، إن هذا الملف يمثل تحدياً أمنياً ووطنياً يتجاوز مسؤولية الوزارة وحدها، داعياً إلى تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية في مختلف أنحاء البلاد.
وفي شرق البلاد، أعلن صدام حفتر إشرافه على حملة أمنية موسعة ضد مخالفي قوانين الإقامة، وجاء ذلك بعد ساعات من تصريحات لخليفة حفتر، شدد فيها على ضرورة إخراج الوافدين الموجودين بصورة غير قانونية من ليبيا. كما طالب مجلس النواب جميع مؤسسات الدولة بضرورة التصدي لأي مشروع يستهدف توطين المهاجرين غير الشرعيين في البلاد، فيما أكدت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية رفضها توطين المهاجرين.
• نفت الأمم المتحدة صحة المزاعم المتداولة بشأن تنفيذ برامج لتوطين المهاجرين في ليبيا. في حين نفت قطر مزاعم علاقتها أو دعمها لمشاريع توطين المهاجرين في ليبيا. كما نفت البعثة الأممية قيام أي من وكالاتها، بما في ذلك المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بتنفيذ برامج لتوطين المهاجرين في البلاد. وأخيرا، أكد الاتحاد الأوروبي على عدم دعمه برنامج التوطين، خلافًا لما وصفه بحملات التضليل المستمرة.
• تنشط في شرق وغرب البلاد، عمليات تهريب الوقود والبضائع وتجارة المخدرات. فـ خلال هذه الفترة، تم رصد حالات تهريب الوقود في أجدابيا ورأس جدير، كما تم إحباط تهريب أكثر من 771 ألف دولار عبر حدود تونس. كما تم ضبط العديد من حالات الاتجار بالمخدرات والترام دول والخمور، وذلك في مدن السهل الغربي، أجدابيا، الكفرة، تاجوراء، البياضة.
• أفادت منظمة " رصد الجرائم في ليبيا "، بأن شهر مايو 2026 شهد استمرارا للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مختلف مناطق البلاد، شملت القتل غير المشروع الناتج عن الاشتباكات وإطلاق النار العشوائي والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري. ووثّق الفريق الميداني مقتل 4 مدنيين، واستمرار فقدان أرواح المهاجرين على طول مسارات الهجرة، واعتقال 11 مدنيا في سرت وبنغازي، و10 مشاركين في قافلة إنسانية مغاربية متجهة نحو غزة، وانتشال 12 جثمانا يُعتقد أنها لمهاجرين في مناطق متفرقة من البلاد.
• تواجه حكومة الوحدة الوطنية اتهاماً جديداً بتسليم مشتبه به ليبي إلى الولايات المتحدة، وهو مرعي العرفي الملقب بـ " بنزينة "، على خلفية هجوم استهدف القنصلية الأميركية في بنغازي عام 2012، وفق ما أوردته تقارير إعلامية محلية. وتأتي هذه الاتهامات في سياق قضايا مماثلة أُثيرت في ظل حكومة الوحدة، كان آخرها إعلان السلطات الأميركية في فبراير الماضي توقيف الليبي الزبير البكوش على خلفية القضية ذاتها، المرتبطة بهجوم بنغازي، وقبل ذلك تم تسليم المواطن الليبي أبو عجيلة المريمي إلى واشنطن لاتهامه في قضية تفجير طائرة " لوكربي " عام 1988.
التسليح والتدريبات العسكرية
• واجه قرار الاتحاد الأوروبي توسيع صلاحيات عملية إيريني البحرية في البحر المتوسط، لتشمل احتجاز وتفتيش ناقلات النفط المرتبطة بما تصفه بروكسل بـ " أسطول الظل " الروسي، انتقادات صينية وتحذيرات روسية من مخاطر التصعيد، في خطوة تقول بروكسل إنها تستهدف الحد من تمويل العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا.
2- المحور الاقتصادي والتجاري
يتناول هذا المحور ثلاث ملفات رئيسية: الاستثمارات والتبادلات التجاري، المؤسسة الوطنية للنفط، وأخيراً المصرف المركزي.
الاستثمارات والتبادلات التجارية
• أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية، إطلاق مرحلة جديدة لتنظيم استيراد الحبوب والمواد الخام، في خطوة تستهدف تعزيز الأمن الغذائي والحد من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، بعدما تجاوزت قيمة الموافقات الممنوحة للاستيراد خلال العام الماضي 900 مليون دولار. وبموجب الخطة الجديدة، ستقتصر عمليات الاستيراد على الوحدات الصناعية والإنتاجية العاملة فعلياً، مع منع شركات الوساطة والتجارة من استيراد المواد الخام بغرض إعادة بيعها في السوق المحلية. كما تتضمن الإجراءات الجديدة ربط الكميات المستوردة والاعتمادات الممنوحة بالطاقة الإنتاجية الحقيقية للمصانع والمزارع، إلى جانب إنشاء منظومة رقمية للرقابة والتتبع تهدف إلى مراقبة حركة السلع منذ دخولها البلاد وحتى وصولها إلى المنتج النهائي.
• أعلنت هيئة تنمية الصادرات الليبية توقيع مذكرة تفاهم مع الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات، بهدف دعم الصادرات والاستثمارات وتنشيط التبادل التجاري بين البلدين.
المؤسسة الوطنية للنفط
• أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط توقيع اتفاقية تشغيل موحدة لحقل "آي/آر" في حوض مرزق بجنوب غربي ليبيا. وأضافت أن الأطراف الموقِّعة على الاتفاقية هي شركات: أكاكوس للعمليات النفطية، توتال إنيرجي، ريب سول، إكوينور، وأو إم في.
• أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط انتهاء الفترة التجريبية لحقل المبروك النفطي وانطلاق تشغيله بطاقته الإنتاجية الكاملة بعد توقف دام 11 عاماً. ووفق المؤسسة، بلغت الطاقة الإنتاجية خلال الفترة التجريبية حوالي 30 ألف برميل يومياً من النفط الخام، ومن المزمع أن تصل قدرته الإنتاجية الفعلية إلى 40 ألف برميل يومياً.
• أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط توقيع ثلاث اتفاقيات لمقاسمة الإنتاج ضمن جولة العطاء العام 2025، مع عدد من الشركات العالمية الرائدة في قطاع النفط والغاز. الاتفاقية الأولى مع شركة ريب سول الإسبانية بالشراكة مع شركة البترول التركية، الاتفاقية الثانية مع إيني الإيطالية بالشراكة مع قطر للطاقة، فيما جرى توقيع الاتفاقية الثالثة مع مجموعة مول المجرية بالشراكة مع شركة البترول التركية وريب سول الإسبانية.
• أعلنت حكومة الوحدة الوطنية عن توقيع مذكرة تفاهم بين المؤسسة الليبية للاستثمار ومجموعة أوكيو العمانية، تستهدف استكشاف فرص الاستثمار والتعاون في سوق الطاقة الليبي.
• أكدت شركة سايبم الإيطالية نجاح رفع وحدة استخراج الغاز بحقل البوري البحري قبالة سواحل ليبيا، بما يسهم في الحد من حرق الغاز وزيادة الإنتاج إلى نحو مليوني متر مكعب يوميًا.
• أعلن رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان، تسجيل أعلى إيراد شهري للقطاع النفطي منذ عشر سنوات، بقيمة تقارب 4 مليارات دولار خلال مايو 2026، من مبيعات النفط الخام والإتاوات، مستفيداً من الارتفاع الكبير في أسعار النفط العالمية على خلفية التوترات الإقليمية وأزمة الملاحة في مضيق هرمز.
المصرف المركزي
• أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية، أن إجمالي الاعتمادات والتخصيصات من النقد الأجنبي خلال الفترة الممتدة من الأول من يناير وحتى 12 مايو 2026 بلغ نحو أربعة مليارات دولار.
• أعلن مصرف ليبيا المركزي عن تعرض عدد محدود من أنظمته وخدماته التقنية لحادث سيبراني، مؤكداً أن الواقعة تخضع لتحقيقات فنية متخصصة، فيما تستمر الخدمات المصرفية الأساسية والعمليات التشغيلية الرئيسية بصورة اعتيادية.
3- المحور السياسي الداخلي
يتناول هذا المحور ثلاث ملفات رئيسية: الاحتجاجات الشعبية والمطالب، القرارات واللقاءات والتصريحات الرسمية، وأخيراً الصراع بين الشرق والغرب وجهود التسوية.
القرارات واللقاءات والتصريحات الرسمية
• أعلن رؤساء 9 بلديات، تمتد من غرب البلاد إلى شمالها، إنشاء ما يُسمى " إقليم الوسطى "، بغرض التنسيق والتكامل فيما بينهم. وتضم البلديات: مصراتة، الخمس، زليتن، بني وليد، ترهونة، تينيناي، المردوم، مسلاته وقصر الأخيار. وتصاعد الرفض الشعبي في ليبيا للمقترح، إثر إغلاق محتجين من بني وليد مقر بلديتهم تنديداً بالانضمام إلى الإقليم.
الصراع بين الشرق والغرب وجهود التسوية
• نشرت البعثة الأممية التقرير النهائي لنتائج أعمال لجنة " الحوار المهيكل “، إحدى مراحل خريطة الطريق الأممية لحل الأزمة الليبية، عقب عقدها الجلسة الختامية للحوار. وفصل التقرير توصيات لجنة الحوار في المسارات الأربعة، ومن أهمها:
في مسار الحوكمة، أوصى المشاركون بتشكيل سلطة تنفيذية جديدة بصلاحيات ومدة زمنية محددة، وتتكون هذه السلطة من شقين: الأول مجلس رئاسي من رئيس ونائبين، وتناط برئيس المجلس مهام القيادة العليا للقوات المسلحة واعتماد الميزانية العامة وتعيين السفراء، بالإضافة إلى التكليف المباشر لوزيري الدفاع والخارجية والإشراف عليهما، بينما يشارك نائباه في إعلان حالة الطوارئ وقرار الحرب والسلم. أما الشق الثاني، فهو حكومة تتألف من رئيس وثلاثة نواب يمثلون غرب البلاد وشرقها وجنوبها.
في مسار الأمن، تمثلت أبرز التوصيات، لمنع التصعيد واحتواء النزاعات، وضع خطة وطنية لإعادة تنظيم أوضاع المسلحين ضمن برنامج اقتصادي تنموي شامل، ودمجهم في الحياة المدنية مع ضمان الدعم الحكومي والمجتمعي والدولي. وشدد مسار الأمن على أهمية توحيد المؤسسة الأمنية والعسكرية، مع ضرورة تحديث الإطار القانوني والتنظيمي للمؤسستين ليشمل الرتب والتسلسل الوظيفي ومعايير التعيين والترقية والرواتب، مع تأكيد حياد المؤسسة العسكرية وعدم انخراطها في الشأن السياسي، وتبعيتها للسلطة التنفيذية في ظل الدولة المدنية.
في مسار الاقتصاد، أوصى التقرير بضرورة إصدار قانون ميزانية عامة موحدة تنفذها حكومة واحدة بسقف لا يتجاوز 117 مليار دينار سنوياً، بجانب إنشاء مجلس أعلى لسياسات الطاقة يتولى وضع آليات إخضاع عقود النفط والغاز لإجراءات شفافة وإعلانها للرأي العام. كما ركز مسار الاقتصاد على ملف التنمية، فأوصى بمراجعة توزيع المشاريع التنموية لضمان العدالة بين المناطق من خلال إنشاء "صندوق وطني للتنمية المحلية" يعتمد معايير عادلة لتوزيع مشروعات التنمية على مختلف أنحاء البلاد.
في مسار المصالحة، أوصى التقرير بعقد "ملتقى وطني" يضم الأطراف السياسية الرئيسية مع إشراك أوسع للأطياف المجتمعية والمدنية لصياغة ميثاق وطني ملزم يعالج القضايا الخلافية، مثل الهوية ونظام الحكم واللامركزية والعدالة الانتقالية والأمن، مع منح مخرجات الملتقى صفة الإلزام القانوني عبر قرارات معززة من مجلس الأمن عند تعثر السلطات التنفيذية في اتخاذ القرار. كما أوصى المسار بإنشاء هيئة تحت مسمى "الإنصاف والمصالحة" تعنى بملف العدالة الانتقالية، وتبحث آليات الوصول إلى ضحايا النزاع وحمايتهم، وكذلك العمل على إلزام جميع الأطراف بالكشف الفوري عن مصير المختفين قسراً والمفقودين، والدفع نحو محاسبة كل من يثبت تورطه في هذه الجرائم.
• بحث المجلس الأعلى للدولة، خلال استقباله وفداً من أعضاء مسار الحوكمة بالحوار المهيكل، مجريات المسار ومخرجاته بالتزامن مع اجتماعه الختامي. وأفاد بيان صادر عن المجلس، بأن الحاضرين أكدوا إبداء تحفظات على بعض التوصيات المطروحة، معتبرين إياها لا تعكس بدقة ما دار في الجلسات ولا تنسجم مع متطلبات المصلحة الوطنية. وأوضح أعضاء مسار الحوكمة أن التوصيات النهائية لا تمثل وجهة نظرهم، مشيرين إلى البيان الصادر عنهم والذي أعلنوا فيه رفض تلك المخرجات وأسباب اعتراضهم عليها.
• رحبت بعثة الاتحاد الأوروبي والبعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء لدى ليبيا، بالجلسة الختامية للحوار المهيكل. ودعت البعثة جميع الأطراف في البلاد إلى التفاعل بشكل بنّاء مع توصيات الحوار المهيكل، بما يسهم في وضع البلاد على مسار يؤدي إلى تجديد الشرعية المؤسسية وتوحيد المؤسسات من خلال انتخابات وطنية حرة ونزيهة.
• أعلنت البعثة الأممية استضافتها الجولة الثالثة من مشاورات اللجنة المصغرة 4+4 في العاصمة التونسية، بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن أول محطتين من خارطة الطريق التي تيسّرها الأمم المتحدة بشأن القوانين الانتخابية ومفوضية الانتخابات. ووفقا لبيان نشرته البعثة، فقد واصل المشاركون مناقشاتهم بشأن الإطار الانتخابي، مستندين إلى التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال الجولات السابقة.
• أشاد المستشار الخاص للرئيس الأميركي " مسعد بولس "، باستكمال أعمال الحوار المهيكل ودعم بلاده لتوصياته، كما أكد تكامل الجهود الأميركية مع خريطة الطريق الأممية، وذلك عقب لقائه رئيسة البعثة الأممية هانا تيتيه.
• عقد القائم بأعمال السفير الأمريكي "جيرمي برنت"، سلسلة لقاءات في طرابلس وبنغازي، شملت عبد الحميد الدبيبة، عبد السلام الزوبي وصلاح النمروش، بالإضافة إلى خالد حفتر وبلقاسم حفتر. وتركزت هذه اللقاءات على دعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية ومناقشة مستجدات الوضع السياسي.
• كشف مصدر دبلوماسي مقرب من حكومة الوحدة الوطنية، أن لقاءات برنت في طرابلس وبنغازي تضمنت نقاشاً حول ترتيبات أميركية متقدمة لعقد لقاءات مباشرة بين قيادات عسكرية من شرق ليبيا وغربها، بهدف توسيع مشاركة شخصيات عسكرية من الجانبين. وبحسب المصدر، فإن اللقاءات العسكرية المقبلة سيشارك فيها ضباط، في مقدمتهم صلاح النمروش وخالد حفتر، لمناقشة سبل بناء قوة عسكرية مشتركة تتجه إلى تنظيم عمل مشترك لتأمين الحدود الجنوبية للبلاد.
4- المحور السياسي الخارجي
يتناول هذا المحور 3 ملفات رئيسية: اللقاءات والزيارات والتصريحات الرسمية، السياسات والقرارات، وأخيرا، النفوذ السياسي الإقليمي والدولي.
اللقاءات والتصريحات الرسمية
• التقى نائب قائد القيادة العامة "صدام حفتر"، بالرئيس الفرنسي " إيمانويل ماكرون "، خلال زيارته الرسمية إلى العاصمة الفرنسية باريس. وأكد الرئيس الفرنسي أهمية مواصلة الحوار والتنسيق بين الجانبين وتطوير علاقات التعاون المشترك، بالأخص التعاون العسكري. وأوضحت السفارة الفرنسية في ليبيا، في بيان، أن زيارة صدام حفتر لفرنسا تضمنت لقاءات مع المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي، بالإضافة إلى رئيس الأركان الخاصة لرئيس الجمهورية وقائد العمليات الخاصة.
• بحث صدام حفتر، خلال زيارته الرسمية لليونان، مع رئيس الوزراء اليوناني "كيرياكوس ميتسوتاكيس"، تطوير التعاون الثنائي في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية بين البلدين. كما عقد صدام اجتماعًا مع وزير الخارجية اليوناني "جورج غيرابيتريتيس"، بمقر الوزارة في أثينا. وقالت وزارة الخارجية اليونانية، إن غيرابيتريتيس سيعقد اجتماعًا ثنائيًا مع صدام ستعقبه محادثات موسعة بين وفدي البلدين، دون أن تذكر أي تفاصيل.
• تسلم رئيس المجلس الرئاسي "محمد المنفي"، رسالة خطية من الرئيس الموريتاني "محمد ولد الشيخ الغزواني"، نقلها مبعوثه الخاص وزير الخارجية " محمد سالم ولد مرزوك ". وبحث المنفي، خلال لقائه وزير الخارجية الموريتاني، تطوير التعاون الثنائي وتعزيز الشراكة بين البلدين في مختلف المجالات.
• بحث رئيس حكومة الوحدة الوطنية " عبد الحميد الدبيبة "، مع رئيس وزراء النيجر " علي الأمين زين "، الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، بجانب عدد من الملفات الأمنية والإقليمية، أبرزها أمن الحدود وتحديات الهجرة غير الشرعية. واتفق الجانبان خلال المحادثات على تفعيل أعمال اللجنة العليا الليبية – النيجرية المشتركة.
• أجرت نائبة وزير الخارجية اليوناني " ألكسندرا باباد وبولو "، زيارة رسمية لطرابلس، وذلك لحضور الجولة الثانية من المناقشات الفنية الخاصة بترسيم المناطق البحرية بين ليبيا واليونان، ضمن جهود أطلقتها أثينا منذ الصيف الماضي للحفاظ على علاقاتها مع مركزي السلطة في ليبيا، في كل من طرابلس وبنغازي. وبحسب صحيفة " إيكاثيميريني " اليونانية، يتمثل الهدف المعلن للمحادثات في التوصل إلى اتفاق بشأن ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين، وهي المبادرة التي أعلنها العام الماضي وزير الخارجية اليوناني ووزير الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية.
• شهدت العلاقات الصينية مع حكومة الوحدة الوطنية حراكا نشطا، على أكثر من مستوى، حيث بحث السفير الصيني لدى ليبيا ما شيوي ليانغ، في لقاءات منفصلة، تعزيز التعاون المشترك مع كل من، وزير المواصلات " محمد الشهوبي "، وزير الخارجية " الطاهر الباعور "، ووزير الداخلية " عماد الطرابلسي ".
ثانيًا: مؤشرات الأحداث
يتضمن هذا القسم وضع مؤشرات لتطورات الأحداث التي تم استعراضها في القسم السابق، وذلك على المستوى الأمني والعسكري، الاقتصادي والتجاري، السياسي الداخلي، وأخيرا السياسي الخارجي.
1- المؤشرات الأمنية والعسكرية
تتمثل المؤشرات الأمنية والعسكرية خلال النصف الأول من شهر يونيو 2026، في التالي:
• على مستوى التشكيلات المسلحة، أولا، بعد سلسلة قرارات اتخذها رئيس جهاز الاستخبارات الليبي لإعادة هيكلة الجهاز، شهدت تاجوراء حالة من الاحتقان بين أنصار المسؤولين المتنافسين على المناصب الجديدة. وهو مؤشر سلبي غير معهود في الدول الحديثة، إذ تتعامل المكونات الاجتماعية في ليبيا مع هذه المناصب كوجهات اجتماعية وأدوات نفوذ لهم. ومن من غير المعهود أن ترتب مثل هذه القرارات أي ردود فعل اجتماعية، إلا إذا كنات هناك شبهة فساد، خاصة تلك المناصب الأمنية الحساسة، وهو تعبير عن غياب منطق الدولة في المشهد الليبي. ثانيا، بالنسبة للقاءات، كانت هناك عدة لقاءات لقادة التشكيلات المسلحة، ولكن المفارقة كانت متعلقة بلقاء وفد الخارجية التركي في لقاءين منفصلين، مع صدام حفتر وعبد السلام الزوبي. المفارقة هنا أو الوفد سياسي بحت، فلم يضم الوفد التركي مسؤولين في جهاز الاستخبارات أو الجيش، على الرغم أن اللقاء كان مع مسؤولين عسكريين، صدام حفتر وعبد السلام الزوبي، وكان محور اللقاء هو مسألة توحيد المؤسسة العسكرية. فهل هذا توجه تركي لإدماج الخبرات الدبلوماسية مع الاستخباراتية في ملف توحيد المؤسسة العسكرية، والذي تقوده الولايات المتحدة، وتساهم فيه تركيا، وكان آخر مساهماتها احتضانها لتدريبات عسكرية، شهدت تمثيلا لقوات الشرق والغرب الليبيين.
• على مستوى المواجهات الأمنية والعسكرية، كالعادة شهدت مدينة الزاوية اشتباكات عسكرية جديدة. ويلاحظ أن هناك تصاعد لموجة الاحتجاجات والرفض الشعبي لهذه الفوضى الأمنية في الفترة الأخيرة، فللمرة الثانية في غضون فترة قليلة، أبدت المكونات القبلية والاجتماعية في المدينة اعتراضها على هذه الفوضى، مطالبين بإقامة بوابات تفتيش داخل المدينة لضبط الانفلات الأمني.
• على مستوى الجرائم المنظمة وأمن الحدود، أولا، استمرار تصاعد ظاهرة الهجرة الغير شرعية، بين ضبط وإيقاف مهاجرين وترحيل آخرين فضلا عن غرق البعض في مياه المتوسط وإنقاذ البعض الآخر. وفي تطور خطير، شهد ملف التوطين تصاعدا في المساحات الشعبية والرسمية، وصلت لحد الاحتجاجات الشعبية، ما دفع سلطات الشرق والغرب لتشديد الإجراءات المتعلقة بضبط وإيقاف المهاجرين، مع تأكيد أممي وأوروبي على عدم دعمهم مشروع التوطين، فهل الغضب الشعبي وما تبعه من استجابات رسمية ونفي دولي يكون كافيا لإفشال هذا المشروع؟ وهل من الأساس هناك خطة وشروع حقيقي لتوطين المهاجرين في ليبيا؟ ثانيا، نشاط عمليات تجارة المخدرات، وإن كان هناك تراجع في عدد الحالات المرصودة مقارنة بالشهور الماضية، ورصد حالات تهريب السلع والبضائع والأموال والوقود. ثالثا، رصد توجه لدى حكومة الدبيبة لتسليم المشتبه فيهم والمتهمين في قضايا مرتبطة بالولايات المتحدة، فبعد الزبير البكوش وأبو عجيلة المريمي، تم تسليم مرعي العرفي. فهل هذا التوجه مدفوع برغبة الدبيبة في تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة وتأمين موقعة في المعادلة السياسية الليبية؟
• على مستوى التسليح، يلاحظ بأن قرار الاتحاد الأوروبي بتوسيع صلاحيات عملية إيريني في البحر المتوسط، لتشمل احتجاز وتفتيش ناقلات النفط المرتبطة بـ " أسطول الظل " الروسي، قد جاء بعد أن قرر مجلس الأمن عدم تجديد التفويض القانوني الذي تستند إليه إيريني. وبالتالي، يبدو أن هناك رابط بين القرارين، فربما عدم التفويض كان دافعه هو إطلاق يد الاتحاد الأوربي، دون قيود الفيتو أو الاعتراضات، في الرقابة البحرية على السفن المتورطة في عمليات تسليح.
2- المؤشرات الاقتصادية والتجارية
تتمثل المؤشرات الاقتصادية والتجارية خلال النصف الأول من شهر يونيو 2026، في التالي:
• على مستوى التبادلات التجارية، تعد الإجراءات التي أطلقتها حكومة الدبيبة لتنظيم استيراد الحبوب والمواد الخام، خطوة حيوية لمعالجة ارتفاع أسعار السلع المستوردة، لكن الأهم معالجة الأزمة المتفاقمة المتعلقة بسعر الصرف والسوق الموازية. والأكثر أهمية تنويع مصادر الإنتاج بعيدا عن الاقتصار على النفط، لتقليل الاستيراد المتسبب في دخول سلع من الخارج بأسعار مرتفعة.
• على مستوى المؤسسة الوطنية للنفط، عادت المؤسسة لاتخاذ عدد من الإجراءات لتحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في تعظيم الإنتاج النفطي، وهي: توقيع اتفاقيات تشغيل مع الشركات التالية: أكاكوس للعمليات النفطية، توتال إنيرجي، ريب سول، إكوينور، أو إم في، إيني، قطر للطاقة، مجموعة مول المجرية، شركة البترول التركية ومجموعة أوكيو العمانية. هذا بالإضافة للإعلان عن انطلاق تشغيل حقل المبروك النفطي بطاقته الإنتاجية الكاملة بعد توقف دام 11 عاماً.
• على مستوى المصرف المركزي، وفقا للخبراء، يعد استمرار الاعتمادات والتخصيصات من النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية يسهم في تخفيف الضغوط على المستوردين، ويحد من انتقال ارتفاعات السوق الموازية إلى أسعار السلع، إلا أن أثر هذه السياسة، وفقا للخبراء، يبقى مرتبطاً بقدرة السلطات النقدية على المحافظة على تدفق العملة الأجنبية بشكل منتظم. لذلك يدعو الخبراء الاقتصاديون إلى التعامل بحذر مع مؤشرات التراجع في الأسعار، معتبرين أن الحكم على نجاح السياسات الاقتصادية يتطلب مراقبة الاتجاهات مدة أطول، وليس الاكتفاء بالمقارنة بين فترتين زمنيتين قصيرتين.
3- المؤشرات السياسية الداخلية
تتمثل المؤشرات السياسية الداخلية خلال النصف الأول من شهر يونيو 2026، في التالي:
• على مستوى القرارات السياسية، يعبر أعلن رؤساء 9 بلديات في الغرب الليبي إنشاء " إقليم الوسطى "، بغرض التنسيق والتكامل فيما بينهم عن حالة غياب الدولة بمفهومها الحديث المركزي، إذ كيف يمكن لمجموعة بلديات من قرارة نفسها أن تعلن عن مثل هذه القرارات الحيوية دون وجود غطاء دستوري أو سياسي من السلطة المركزية.
• على مستوى الصراع بين الشرق والغرب وجهود الحل، أولا جهود البعثة الأممية، شهدت هذه الفترة تطورا نوعيا شديد الأهمية، وهو نشر التقرير النهائي لنتائج الحوار المهيكل، أحد بنود خريطة الطريق الأممية، بتوصيات ختامية في المسارات الأربعة، الحوكمة والأمن والمصالحة الوطنية والاقتصاد. لكن الإشكالية دائما في الحالة الليبية ليس في المقترحات والتوصيات، وإنما في القدرة على ترجمتها على أرض الواقع وبناء أرضية توافقية لها بين الفرقاء الليبيين والمؤسسات الرسمية المتصارعة فيما بينها. فـ على سبيل المثال، بمجرد الإعلان عن التقرير النهائي، أبدى مجلس الدولة ومعه بعض أعضاء لجنة الحوكمة الذين شاركوا في الحوار المهيكل تحفظاتهم على بعض بنود التقرير. فهل هذا الاعتراض مدفوع بدوافع تفاوضية وتقوية موقعهم في المعادلة السياسي، أم بدوافع حقيقية تعبر عن رفض موضوعي لعض البنود؟ إذا كانت الأولى فربما يتم حلحلة وتجاوز هذا التحفظ.
ثانيا، الدور الأمريكي، حيث شهد حراكا نشطا بالتزامن مع إعلان التقرير الختامي للحوار المهيكل، قام به جيرمي برنت، حينما التقى بكل من الدبيبة، الزوبي، النمروش، بالإضافة إلى خالد وبلقاسم حفتر. اللافت في الموقف الأمريكي، هو ترحيب ودعم مسعد بولس لنتائج الحوار المهيكل، في الوقت الذي يتعامل فيها الكثير من الخبراء مع الدور الأمريكي باعتباره مسارا موازيا غير متقاطعا مع المسار الأممي. فبرغم هذا الترحيب، ما زال بعض الخبراء يرون عدم وجود أي تقارب بين المسارين الأممي والأمريكي حتى الآن، وأن هذا الترحيب فقط من قبيل ضرورات الحسابات الدبلوماسية أكثر منه مؤشراً على وجود تنسيق أو نية للتنسيق. فبينما يركز الحل الأممي على إيجاد صيغة جديدة للنظام السياسي والدستوري في ليبيا، تعيد ترتيب البيت الداخلي من جديد، يلجأ الحل الأمريكي لتثبيت وشرعنه الأمر الواقع، عبر توحيد السلطة بناءا على موازين القوى الموجودة على الأرض حاليا، بين الدبيبة في الغرب وحفتر في الشرق، وهي صيغة تتجاهل وجود مراكز قوى أخرى عديدة اجتماعية وعسكرية، بالأخص في الغرب الليبي، وهي الكفيلة بإفشال هذه الرؤية.
4- المؤشرات السياسية الخارجية
تتمثل المؤشرات السياسية الخارجية خلال النصف الأول من شهر يونيو 2026، في التالي:
• على مستوى الزيارات الرسمية، كانت هناك زيارتين رسميتين، على المستوى السياسي، قام بهما مسؤول واحد، وهو صدام حفتر. الأولى لباريس والتي تأتي متزامنة مع تطورات الحوار المهيكل الذي ترعاه البعثة الأممية وتطورات الجهود الأمريكية في نفس السياق. الثانية لليونان، والتي تأتي بعد زيارة نائبة الخارجية اليونانية لطرابلس للتباحث حول ملف ترسيم الحدود البحرية، وبالتالي على الأغلب فإن هذا هو محور الزيارة الرئيسي الغير معلن. ويلاحظ في الزيارتين استقبال رئيسي وزراء فرنسا واليونان لصدام، إذ لم يعد التعامل مع الأخير محصور في كونه مسؤول عسكري، وإنما سياسي عسكري، خاصة بعد تعيينه نائبا لوالده في القيادة العامة، وهي المؤسسة التي يتجاوز دورها في الشرق الليبي المجالات الأمنية والعسكرية، لكل مناحي الحياة.
• على مستوى اللقاءات الداخلية، بجانب لقاء وفد الخارجية التركي مع الزوبي وصدام حفتر حول ملفات عسكرية بحتة، ولقاءات السفراء الأجانب مع الفرقاء الليبيين لبحث الأزمة الليبية، كانت هناك لقاءات على المستوى السياسي رفيعة المستوى، وهي لقاء الدبيبة برئيس وزراء النيجر، ولقاء المنفي بوزير الخارجية الموريتاني، وأخيرا لقاءات السفير الصيني مع الطرابلسي والشهوبي والباعور، والتي تعبر عن مؤشر متصاعد في الفترة الأخيرة لرغبة صينية في تعزيز تعاونها مع الغرب الليبي.
ثالثًا: تقارير وتحليلات
يتضمن هذا القسم رصد لأهم التقارير والتحليلات التي تناولت الشأن الليبي خلال هذه الفترة، ويمكن تناولها على النحو التالي:
• في مقالة منشورة بالمركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، تناول الكاتب المشهد الليبي خلال الأسبوع الأول من أبريل 2026، وهي فترة، وفقا للكاتب، اتسمت بتحولات مفصلية على المستويات التالية: سياسيًا، برز حراك أمريكي مكثف يقوده مسعد بولس لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية. واقتصاديًا، تعيش البلاد مفارقة " الوفرة النفطية المهددة "، بينما يستعد البرلمان لاعتماد أضخم ميزانية في تاريخ البلاد بقيمة 210 مليار دينار، وسط تحذيرات شديدة من صندوق النقد الدولي بشأن " عدم استدامة " المسار المالي الحالي وتفاقم التضخم الذي وصل إلى 9%. أما أمنيًا، يمثل تمرين " فلينتوك 2026 " في سرت نقطة تحول رمزية كونه يجمع أول مرة وحدات من الشرق والغرب تحت إشراف " الأفريكوم "، مما قد يمهد لتوحيد المؤسسة العسكرية أو يكرس واقعًا جديدًا من تقاسم النفوذ.
وبناءً على المعطيات المذكورة، خلص الكاتب إلى أن ليبيا تمر بمرحلة انتقالية ثالثة غير معلنة تتميز بالتالي: أولا، وجود توجه دولي لفرض استراتيجية " الاستقرار مقابل النفط "، حيث تهدف أمريكا لتأمين تدفق الطاقة ومنع تحول ليبيا لساحة نفوذ روسي- صيني كامل، حتى لو كان ذلك على حساب تأجيل التحول السياسي الديمقراطي الشامل. ثانيا، مخاطر الانفجار المعيشي مع ارتفاع مستمر لـ التضخم ونقص السيولة. ثالثا، وهم التوحيد العسكري، فتمرين " فلينتلوك 2026 "، فهو وإن كان خطوة إيجابية، لكنه يظل تنسيقًا تحت المظلة الأمريكية، وليس توحيدًا مؤسسيًا نابعًا من إرادة محلية وطنية.
• في مقالة منشورة بصحيفة العربي الجديد، تناول الكاتب التقرير النهائي للحوار المهيكل وتوصياته الختامية الذي نشرته البعثة الأممية، مشيرا إلى أنه كلما برز تعثر في العملية السياسية أو انغلاق أفق هناك من يستدعيه مثل هذه الحوارات للواجهة، حتى صارت "ترِكة سياسية" ثقيلة يعاد توظيفها وتأويلها لتكرر المراحل الانتخابية (ما يرافق العملية الانتخابية)، لا لتُنهيها. وتطرق الكاتب إلى أحد التوصيات المتعلقة بتشكيل " لجنة حوار سياسي موسع "، متسائلا عن الجهة المخولة بتحديد الأطراف المدعوة لانعقاد تلك اللجنة؟ ورأى الكاتب بأن هذا النص في توصيات لجنة الحوار المهيكل، كأنه صمم ليفتح مجالاً للبعثة الأممية حتى تعيد تعزيز موقعها ووجودها في العملية السياسية الليبية، فهي الجهة الوحيدة اليوم التي يمكنها تولي مهمة بناء لجنة للحوار السياسي باعتبار صلاحياتها الأممية بصفتها جهة ميسرة للحوار، لا سيما أن المستجدات السياسية تهدد فاعلية البعثة، خصوصاً بعد فشلها في تحقيق أي اختراق، ما قد يقوض وجودها، وهي تواجه قرب انتهاء ولايتها في أكتوبر المقبل. وبالتالي،
وفقا للكاتب فإن هذا الغياب في تحديد صلاحيات من يدعو إلى الحوار وتشكيل لجنته، يمنح البعثة فرصة لتعزيز وجودها في تحديد أطراف الحوار ووضع قواعده.
• في مقالة منشورة بصحيفة العربي الجديد، تناول الكاتب الأزمة المتصاعدة في ملف الهجرة الغير شرعية ومشاريع التوطين المتداولة، خاصة بعد الحديث عن منح المهاجرين بطاقات لجوء. وأشار الكاتب إلى أن مجلس النواب وجد في هذه التطورات فرصة لإصدار بيان حاد اللهجة يرفض توطين المهاجرين، ملمحاً خلاله لوجود ترتيبات في طرابلس تمهد لذلك. ورأى الكاتب بأن رفض مجلس النواب للتوطين ليس ما يثير الاستغراب، فهو موقف تتبناه مختلف الجهات الليبية، لكن المستغرب هو تأكيده على تمسكه بـ " السيادة الوطنية " وكأن هناك تهديداً حقيقياً للسيادة. ولم يحمل البيان، وفقا للكاتب، أي إشارة إلى مصير " قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية " المطروح على طاولته منذ سنوات طويلة، من دون أن يجد طريقه إلى المناقشة. وقد أشار الكاتب إلى مفارقة أن مجلس النواب يدرك أن المهاجرين يتدفقون إلى البلاد عبر الحدود الجنوبية الواقعة في قبضة ما القيادة العامة، فضلا عن تورط أسماء مرتبطة بحفتر في تهريب المهاجرين. ووجه المفارقة الآخر الذي أشار إليه الكاتب هو أن مجلس النواب يعرف أن بنغازي تعد واحدة من أبرز نقاط تهريب المهاجرين.
